بعد 44 عامًا.. وثائق عسكرية إسرائيلية تكشف مفاجأة خطيرة عن حرب أكتوبر.. وحقيقة مشهد «طائرات الساعة 2»
حرب 73

 

تشير عقارب الساعة إلى الساعة الثانية، لتبدأ بعدها مشاهد تحليق طائرات الجيش المصري تزأر في سماء سيناء وأعلى القناة، ذلك المشهد الذي اعتدناه في جميع الأفلام المتعلقة بحرب أكتوبر، ولكن الأمر على الجبهة كان مختلفًا تمامًا.

بعد دقائق قليلة من بدء إطلاق النار في 6 أكتوبر 1973، رصدت رادارات سلاح الجو الإسرائيلي هدفا استثنائيا يتحرك بسرعة باتجاه وسط إسرائيل.

وتلقى الطيار الإسرائيلي إيتان كرمي أمرا عاجلا ومفاجئا بأن يغير مهمته ويتوجه بطائرته الميراج من الجنوب إلى الغرب، باتجاه الهدف الجديد.

 

الطائرة والصاروخ

قال إيتان كرمي الضابط في سلاح الجو الإسرائيلي لصحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية إنه اعتقد في البداية أن ما شاهده كان عبارة عن طائرة حربية مصرية، ولكنه عندما اقترب منها فوق سطح البحر أدرك أنه لا يوجد طيار، وأن الحديث يجرى عن صاروخ موجه تم إطلاقه من طائرة قاذفة مصرية من طراز «توبوليف تو-16» باتجاه مدينة تل أبيب، فاقترب الطيار الإسرائيلي من الصاروخ وحافظ على مسافة 200 متر منه ثم بدأ بإطلاق النار عليه، حتى سقطت أجزاؤه في البحر.

بعد 3 أيام من القتال، وتحديدا في 9 أكتوبر 1973، بدأ سلاح الجو الإسرائيلي في سلسلة غارات على العمق السوري في دمشق، للضغط على قيادات النظام السوري. وعلى الرغم من أن هجوما كهذا كان مطلوبا أيضا على مصر للضغط على الرئيس محمد أنور السادات، لم تبادر إسرائيل إلى ضرب العمق المصري، فلماذا حدث ذلك؟

وهناك بحث جديد كتبه كل من الدكتور ديما أدامسكى، رئيس إدارة المتميزين في الاستراتيجية، وهو محاضر كبير في مركز هرتزليا متعدد المجالات، والبروفيسور أورى بار يوسف الباحث المتخصص في حرب أكتوبر 1973، يتناول التداعيات الاستراتيجية للمواجهة بين القوى العظمى في حرب أكتوبر.

 

الصواريخ الباليستية النووية

وتطرق البحث جانبا من أزمة الصواريخ الباليستية النووية التي حدثت في ذروة القتال، ويعتمد البحث على مصادر سوفييتية وأمريكية ووثائق الاستخبارات المركزية الأمريكية، ومقابلات مع شخصيات محورية في هذا الموضوع، من بينهم عسكريون سوفييت كانوا مسؤولين عن تشغيل وحدة صواريخ سكود في مصر.

ويستعرض البحث أسباب الدراما التي حدثت خلف الكواليس، والتي تضمنت رفع درجة الاستعداد القصوى والاستثنائية من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب ما بدا أنه قراءة خاطئة من أجهزة رادار يخت متنكر في قلب البحر.

لا يمكن الحديث عن فشل الاستخبارات الإسرائيلية في حرب أكتوبر 1973 بدون تناول الفشل الإسرائيلي في إدراك الأهمية الخطيرة الكامنة في صواريخ «أرض-أرض» من طراز سكود، التي وصلت مصر في مطلع شهر أغسطس 1973.

وتشير الوثائق إلى أن الفشل الإسرائيلي هنا كالعادة، لم يكن فشلا في جمع المعلومات الاستخباراتية، فإسرائيل تقول إن أشرف مروان أخبر الموساد الإسرائيلي منذ البداية بتوقيع اتفاق بين مصر والاتحاد السوفييتي لشراء هذه الصواريخ، وقام مسؤولو الموساد بإبلاغ هذه المعلومات الخطيرة إلى قادة إسرائيل، مضافا عليها معلومات عن وصول الصواريخ إلى مصر، والتدريبات التي تلقاها المصريون لتشغيل صواريخ سكود.

ولكن مسؤولو الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) لم يدركوا أن وصول هذه الصواريخ إلى مصر جعل من السهل على السادات الخروج إلى الحرب، لأنها منحته قدرة الردع اللازمة لمواجهة سلاح الجو الإسرائيلي ومنعه من ضرب العمق المصري.

 

السادات والصواريخ طويلة المدى

وطلب السادات من السوفييت صواريخ طويلة المدة تكون قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي. وفى مطلع أغسطس 1973 وصلت إلى مصر شحنة من صواريخ سكود، وفريق من العسكريين السوفييت لتشغيلها، ومترجم سوفييتي يتحدث العربية. وكان هذا الفريق يتلقى أوامره المباشرة من القيادة السياسية للاتحاد السوفييتي. وكان وصول الصواريخ إلى مصر أمرا مفاجئا جدا لقادة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، الذين لم يكونوا يتوقعون أبدا أن يستجيب الاتحاد السوفييتي لمطالب مصر وبهذه السرعة.

لم يكن الفشل الاستخباراتي مقصورا فقط على إسرائيل، فقد فوجئ الأمريكيون أيضا بشدة من وصول صواريخ سكود إلى مصر.

خلال الوقت القصير الذي سبق اندلاع الحرب في أكتوبر 73، حاول الجيش الإسرائيلي دراسة هذا الموضوع. وأصدرت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تقريرا استخباراتيا عن صواريخ سكود، ولكن دون أن تتطرق إلى تداعياته وتأثيراته على ميدان الحرب.

ويقول أدامسكى: «إن صواريخ سكود منظومة متطورة كانت مصر أول من يحصل عليها ويدخلها إلى الشرق الأوسط. ولكن الاستطلاع الذي قدمته الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية كان فنيا تقنيا فقط، يتناول الميكانيكا ولم يتطرق إلى أهميته العسكرية.

 

خدعة سكود

بحسب الوثائق الإسرائيلية، كانت تقديرات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تقول إن صواريخ سكود لن تدخل الخدمة الفعلية في الجيش المصري قبل مطلع عام 1974، وأنها لا تستطيع تحديد المسؤول عن تشغيل وحدة الصواريخ، هل هم السوفييت أم المصريون؟ كما تم تخمين مدى الصواريخ، دون معرفتها بدقة.

وذكرت تقديرات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أن كل هدف في إسرائيل من منطقة ناتانيا وما تلاه باتجاه الجنوب سيدخل في نطاق صواريخ سكود المصرية.

وتدافع إسرائيل مجددا عن نفسها، فتقول إن الفشل الاستخباراتي في هذا الموضوع لم يكن مقصورا على إسرائيل أيضا، فقد كان الفشل مشابها لدى أجهزة الاستخبارات الأمريكية وأجهزة استخباراتية غربية أخرى، لأنها لم تكن تملك معلومات كافية عن صواريخ سكود، ولذلك لم يكن ممكنا توفير معلومات دقيقة عن عملياته والأثر الذي يمكن أن يحدثه.

 

كارثة اليومين

ويقول الإسرائيليون إن ما عبر عن كارثة أول يومين من القتال هو القول المنسوب لوزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان، الذي أكد فيه أن الهيكل الثالث في خطر، في إشارة إلى أن إسرائيل تواجه خطر الزوال على يد القوات المصرية. وكشفت مصادر غربية طوال السنوات الماضية أن موشيه ديان طرح استخدام السلاح النووي، وأن إسرائيل حرصت على إرسال إشارة موجهة إلى المخابرات الأمريكية، تفيد بأن إسرائيل تفكر جديا في استخدام السلاح النووي إذا لم يصلها جسر جوى من المساعدات العسكرية العاجلة من الولايات المتحدة.

ويقول أدامسكى وبار يوسف في البحث الجديد أنهما لم يجدا أي أساس أو وثائق تثبت صحة هذا الكلام الذي دار حول استعداد إسرائيل لإطلاق صواريخ «أريحا» المرتبطة والموجهة جيدا بالأقمار الصناعية الاستخباراتية الأمريكية.

كانت إسرائيل قلقة للغاية من وجود صواريخ سكود بأيدي المصريين، ولم تكن هناك أي حلول عملية لمواجهة هذه الصواريخ طويلة المدى، ولذلك بادر موشيه ديان في اجتماع عقد صباح يوم 6 أكتوبر، قبل ساعات من اندلاع الحرب، إلى إصدار أمر إلى وحدات الدفاع الجوي بالاستعداد لاحتمال إطلاق صواريخ سكود على تل أبيب.

وكان الإسرائيليون عاجزين عن تقدير أثر هذا الصاروخ بدقة، ولكنهم كانوا يعتقدون أن صاروخا يحمل رأسا متفجرا يزن نصف طن سيحدث تدميرا وخرابا كبيرا، خاصة إذا تم إطلاقه على قلب مدينة سكنية.

 

كشف العمق الإسرائيلي

وتم طرح أمر صواريخ سكود مرة ثانية يوم 8 أكتوبر، ففي الجيش الإسرائيلي بدأوا يبحثون إمكانية توجيه ضربات في العمقين المصري والسوري لإضعاف قواتهما على الجبهتين.

وقبل شن هجوم إسرائيلي على مقر قيادة أركان الجيش الإسرائيلي في دمشق، توجهت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير بسؤال إلى وزير دفاعها ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي: هل يمكن أن ترد مصر بضرب العمق الإسرائيلي إذا ضربنا العمق السوري؟ وجاء رد الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بأن احتمال حدوث ذلك ضعيف، لأن الصواريخ لم تدخل الخدمة بعد في الجيش المصري، وتم التصديق على الهجوم الإسرائيلي وتنفيذه بنجاح على سوريا.

وفى اليوم التالي، بينما تدور المباحثات حول أوضاع الجبهة المصرية، تغيرت تقديرات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. فيقول أدامسكى: «في يوم واحد فقط تغيرت صورة الوضع تماما، ورئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية إيلى زعيرا بات يعتقد أن السوفييت سيستخدمون صواريخ سكود عند الضرورة».

في الليلة الفاصلة بين 12 و13 أكتوبر 1973، رصدت الاستخبارات الإسرائيلية تحركات غريبة على الأرض، واتضح أن السوفييت يتحركون لإعادة نشر منصات صواريخ سكود في منطقة بورسعيد، الأمر الذي أثار انزعاجا شديدا لدى قادة الجيش الإسرائيلي، فقد جاء تحريك الصواريخ ليزيد من مداها في العمق الإسرائيلي.

وكانت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية قبل ذلك تقدر بأن مدى صواريخ سكود يغطى من منطقة ناتانيا وما تلاها باتجاه الجنوب الإسرائيلي، وزاد القلق الإسرائيلي حتى وصل إلى درجة رهيبة من المبالغة.

ووفقا للتقديرات الجديدة آنذاك، أصبحت معامل تكرير البترول الإسرائيلي في حيفا في خطر، وقائمة الأهداف التي قدمتها قيادة أركان الجيش الإسرائيلي لوزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان تضاءلت أكثر وأكثر بسبب هذه المعلومات الجديدة.

وتراجع الجيش الإسرائيلي عن مهاجمة العمق المصري، وأصبح ضرب أهداف في القاهرة خيارا غير مطروح بسبب سلاح الردع المصري. وبدلا من ضرب أهداف استراتيجية في القاهرة، أشار قادة الجيش الإسرائيلي إلى إمكانية ضرب منشآت اقتصادية، ولكنهم احتاروا أيضا وترددوا في ضربها خوفا من الرد المصري.

 

السادات وسر وجود رئيس الوزراء السوفييتي

 

في 16 اكتوبر ألقى السادات خطابا في مجلس الشعب، ووقف إلى جانبه رئيس الوزراء السوفييتي أليكسى كوسيجين الذي تولى رئاسة الحكومة السوفييتية من عام 1964 إلى 1980.

وقال السادات في هذا الخطاب بوضوح إن كل اعتداء إسرائيلي على العمق المصري سيتم الرد عليه بضربة مصرية للعمق الإسرائيلي، بعد أن أعلن صواريخ «ظافر» المصرية باتت على قواعدها في بورسعيد بانتظار إشارة للانطلاق إلى أعماق أعماق إسرائيل، مرددا مقولته الشهيرة: «العين بالعين والسن بالسن والعمق بالعمق».

ولكنهم في إسرائيل كانوا يعلمون أن السادات لا يتحدث عن صواريخ «ظافر» المصرية، وإنما كان يتحدث عن صواريخ سكود السوفييتية.

ويوضح أدامسكى أن حقيقة وقوف كوسيجين إلى جانب السادات أثناء إلقاء هذه الكلمة أكد التقديرات الإسرائيلية بأن الاتحاد السوفييتي منح مصر ضوء أخضر للرد بإطلاق الصواريخ على العمق الإسرائيلي.

ويقول: «في تلك اللحظة، تم استبعاد فكرة ضرب العمق المصري تماما حتى انتهاء الحرب، ونجحت قوة الردع المصري».

 

 

تطوير صاروخ سكود

في 17 و18 أكتوبر رصدت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تطورا باليستيا إضافيا زاد من القلق الإسرائيلي، فقد قامت وحدات صواريخ سكود بقيادة سوفييتية بنقل صواريخ من مكان لآخر، وزودوها برؤوس تفجيرية. وبالتزامن مع ذلك، زادت شدة لهجة الصحف السوفييتية عن ذي قبل.

وفى إسرائيل كان الانطباع بأن مصر تستعد لاحتمال إطلاق صواريخ سكود. ونقلت إسرائيل رسالة عبر سفيرها في واشنطن، سيمحا دينيتس، إلى مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كسينجر، الذي كان في طريقه إلى موسكو. وكانت الرسالة الإسرائيلية تقول: «إذا فكر المصريون في إطلاق صاروخ سكود، سوف تعرف إسرائيل كيف ترد الصاع صاعين». ولكن لم يصل أى رد من موسكو، إلا بعد 4 أيام.

في 22 أكتوبر، وكان وقف إطلاق النار على وشك التنفيذ، تم إطلاق صاروخي سكود على إسرائيل، ولقى العديد من الجنود الإسرائيليين مصرعهم.

 

ويتساءل أدامسكى: «لماذا رغم ذلك تم إطلاق صواريخ سكود في النهاية؟». ويجيب هو وبار يوسف في بحثهما الجديد بأن الحديث يجرى عن سلسلة من الأخطاء الاستخباراتية التي أدت إلى استنتاجات خاطئة على الأرض وتصعيد عسكري.

ويقول أدامسكى: «حقا أنه كان هناك خطاب بارز للسادات، وحقا أن الصواريخ كانت منتصبة وجاهزة للإطلاق، ولكننا اكتشفنا أن التحركات المتزايدة وتركيب الرؤوس المتفجرة على الصواريخ كان جزءا من تدريبات غير تقليدية، ولم تكن بهدف استخدام تلك الصواريخ فعليا.. والمهم أن المصريين والسوفييت واصلوا هذه التدريبات رغم الحرب، بدون أن يضعوا في اعتبارهم أن إجراءات كهذه في وقت الحرب لها أهمية أخرى وكبيرة جدا عما لو كانت تمت في وقت عادى.. فمثل هذه التصرفات قد تؤدى إلى تصعيد غير متعمد وأزمة لا يريدها أى من الطرفين».

وبحسب أدامسكى: «تم نقل الصواريخ في الصيف من الاتحاد السوفييتي إلى مصر، مع تحديد موعد لاحق في عام 1974 لاحتمال نقل التحكم فيها إلى المصريين الذين لم يكونوا قد عرفوا بعد كيفية تشغيل هذه الصواريخ. وفى تلك الأثناء بقيت الصواريخ تحت القيادة السوفييتية بشكل كامل. وقام السادات من جانبه بالضغط على السوفييت حتى يسلموه تلك الصواريخ، وطلب منهم أن يسمحوا له بإطلاقها».

 

معلومات نووية

ويكشف البحث الذي أعده أدامسكى وبار يوسف زاوية أخرى ومهمة عن درجة الاستعداد النووي التي تم رفعها آنذاك، وهي لحظة اندلاع الأزمة بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، الأمر الذي أثر بشكل كبير على الشكل الذي انتهت به حرب أكتوبر.

أبحر يخت مدني، ذو مظهر برى، في منطقة مضيق البوسفور والدردنيل في تركيا. ولكن كان بداخله يختبئ عدد من رجال الاستخبارات الأمريكية الذين كانت مهمتهم تتبع قطع بحرية عسكرية سوفييتية، كانت في طريقها إلى الشرق الأوسط، عبر ميناءى نيكولاييف وأوديسا في البحر الأسود. وكان هذا اليخت مزودا بأجهزة استشعار حساسة قادرة على قياس النشاط الإشعاعى، وكان الهدف هو رصد ما إذا كانت القطع البحرية السوفييتية تحمل أسلحة نووية من موانئ الاتحاد السوفييتي باتجاه الأسطول الخامس الذى تمركز في البحر المتوسط، وفى وقت الحرب كان يتتبع القطار البحرى الذى أطلقه الاتحاد السوفييتي لنقل الذخيرة والسلاح إلى مصر وسوريا.

 

يخت مدني

في 22 أكتوبر، رصد رجال الاستخبارات الأمريكية سفينة سوفييتية دخلت مصر، وكان اليخت متتبعا السفينة ماجدورتشنسكى، حين أطلقت أجهزة الاستشعار الأمريكية صفاراتها لتؤكد رصدها لإشعاعات نووية داخل السفينة. وقامت الاستخبارات الأمريكية بنقل هذه المعلومة الدرامية إلى واشنطن، وهناك أخذوا في تحليل الاحتمالات.

وكان أحد التقديرات الاستخباراتية يقول إن الحديث يجرى عن رأس نووية يتم نقلها لتركيبها على صواريخ سكود السوفييتية الموجودة في مصر. وتم تعزيز هذا التقدير عندما توجهت السفينة في 23 أكتوبر باتجاه الجنوب، أى باتجاه أرض النيل. وتتبعت الاستخبارات الأمريكية مسار السفينة السوفييتية عن قرب، حتى توقفت في ميناء الإسكندرية.

في الليلة الفاصلة بين 24 و25 أكتوبر، رفعت الولايات المتحدة درجة استعدادها النووى العالمى إلى مستوى «ديفكون 3» (من بين 5 مستويات).

وكانت هذه هى المرة الأولى التي تتخذ فيها الولايات المتحدة هذا الإجراء منذ أزمة الصواريخ مع كوبا عام 1962. ويقول أدامسكى: «بعد التهديد السوفييتي بإرسال قواته إلى مصر بشكل أحادى الجانب، وهو ما سمعه الأمريكيون بالتفصيل، والآن يكتشف الأمريكيون وجود سفينة يحتمل جدا أنها تنقل الآن سلاحا نوويا تكتيكيا إلى مصر، في وضع بات يشبه كثيرا أزمة الصواريخ في كوبا.. وكانت تلك عملية درامية للغاية بالنسبة للأمريكيين».

إحدى الوثائق الخاصة بالاستخبارات المركزية الأمريكية (سى آى إيه)، والتي تم الكشف عنها مؤخرا، يعود تاريخها إلى 30 أكتوبر 1973، بعد أيام قليلة من وقف إطلاق النار، تكشف أن الاستخبارات الأمريكية لم تتمكن من تحديد ما إذا كان هناك سلاح نووى بالفعل على متن السفينة السوفييتية، وماذا كان الهدف منه.

وجاء عنوان الوثيقة السرية الأمريكية في صيغة تساؤل: «هل هناك سلاح نووى سوفييتي في مصر؟». وتسرد الوثيقة بعد ذلك تفاصيل المعلومات التي حصلت عليها الاستخبارات المركزية الأمريكية عن نقل صواريخ سكود إلى مصر ومواقع تمركزها. وورد في الوثيقة ما يلى: «هناك العديد من الأدلة التي تؤكد أن السوفييت نقلوا سلاحا نوويا إلى مصر، ومن المحتمل أنها مخصصة لاستخدامها عبر صواريخ سكود». والوثيقة موجهة إلى وزير الخارجية الأمريكى هنرى كسينجر، ومسؤولين رفيعى المستوى في قيادة وزارة الدفاع الأمريكية، وتتضمن وصفا لمسار السفينة حتى وصولها إلى الإسكندرية.

بعد الحرب بشهور قليلة، اتضح الخطأ الذى كان على وشك أن يؤدى إلى مواجهة نووية بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. ويقول أدامسكى: «فوحدة الاستخبارات البحرية الأمريكية التي اكتشفت الإشعاع النووى الصادر عن السفينة ماجدورتشنسكى، أجرت فحصا لجهاز الاستشعار وتبين أنها رصدت إشارة كاذبة للإشعاع النووى، وهذا يحدث كثيرا في مثل هذه الحالات، ولكن الأمريكيين لم يكتشفوا ذلك إلا بعد انتهاء الحرب، وبالتالى لم تكن هناك شحنة نووية، وكانت المعلومة الاستخباراتية النووية التي حصلت عليها القيادة الأمريكية كانت معلومة «خاطئة ومضللة».. وقد قامت الاستخبارات الأمريكية بمراقبة السفينة التي وصلت إلى الإسكندرية، وبقيت هناك لفترة طويلة، ولكن عملاء الاستخبارات لم يروا شيئا.. وبعد مرور عدة شهور عرف الجميع لماذا لم يروا شيئا هناك، لأنه لم يكن هناك شىء ليروه.