جمال وامكلثوم
جمال عبد الناصر وأم كلثوم

مُتكئًا على كرسيه مُنصتًا لصوت المذياع، الذي لطالما أذاع أغاني الثورة الوطنية، مُنتظرًا بلهفة صوت جسد الثورة في كلماته، فـحبات اللؤلؤ تنفرط من قوة وعذوبة الصوت، صوتٍ يأخذك في رحلةٍ صغيرة بقارب من أنشودة الكلمات مُبحرًا في عالم مُلهمًا للأحاسيس.

فعقب مأساة فلسطين، ذهبت لتستقبل أبطال الفالوجا، فتنهمر دموع المصرية المُعتزة بأبناء بلدها، وجلست بجانبهم تواسيهم وتشاركهم آلامهم، حيث كان الشاب عبدالناصر في المقدمة، فشددت على يديه وهي تصافحه، مُتأملة بريق الوطنية في عيناه، فكان هذا أول لقاء يجمعهما.

أنها كوكب الشرق، وسيدة الغناء العربي «أم كلثوم»، جمعتها علاقة صداقة قوية بالراحل جمال عبدالناصر، فأحبته وقدرته كثيرًا، وكان لها دور كبير في كل المِحن والأزمات التي مرت بها مصر في عهده، فبصوتها الشجي دعمت البلاد ماليًا ومعنويًا، فكانت تُعامل كـامرأة قيصر في العهد الناصري.

فكان عبدالناصر يواظب على حضور حفلاتها، حيث كانت فردًا من أفراد كتيبة الأبطال لدى عبد الناصر، فقد قدمت أغاني مواكبة لأحداث الثورة، وكانت أكثر الأغاني الأحب إلى قلبها «ياجمال يامثال الوطنية» التي غنتها بعد حادث منشية البكري بالأسكندرية، »قم» والتي قدمتها عقب النكسة.

وعقب ثورة يوليو، لاحظ عبدالناصر أن الإذاعة المصرية لم تبث أي أغنية لأم كلثوم، فاستدعى رئيس الإذاعة وسأله: »مرت أيام لم تبث فيها الإذاعة أي أغنية لأم كلثوم، لماذا؟«فرد»: يافندم دي من العهد القديم، فصمت عبدالناصر برهة، وقال له: «ما رأيك أن تهدموا الهرم الأكبر لأنه من العهد القديم.. أم كلثوم هي الهرم الرابع».

وفي اليوم المشئوم توقف قلب القاهرة عن النبض، وخرجت الجماهير من كل حدب وصوب رافعة صورة الزعيم الخالد عبدالناصر، فعلمت أم كلثوم الخبر وهي خارج البلاد، فتماسكت من هول المفاجأة، واتصلت بالشاعر نزار القباني، والموسيقار رياض السنباطي، ليقدما عملًا يليق بهذا الرجل الساحر.

فكتب القباني ودموعه تتساقط على الورق، ولحن السنباطي بمشاعر حزن دفينة، وغنت أم كلثوم والدموع تنهمر على وجنتيها، وقلبها يحترق من شدة الحزن، فغنت له «عندي خطاب».

«زعيمنا.. حبيبنا.. قائدنا، عندي خطاب عاجل إليك من أرض مصر الطيبة، عندي خطاب عاجل إليك من الملايين التي تيمها هواك، من الملايين التي تريد أن تراك، عندي خطاب عاجل إليك
لكنني لا أجد الكلام فالصبر لا صبر له والنوم لا ينام».