«وحدن».. قصة «المقاومة الفلسطينية» وعملية استشهاد أثرت بـ «فيروز»

«وحدن».. قصة «المقاومة الفلسطينية» وعملية استشهاد أثرت بـ «فيروز»
فيروزز
فيروز
فيروز

صباح باكر يُشير بمؤشرات ساعته بالتاسعة، يُحضر قهوته على عجل ليبدأ بها يومه كالمعتاد، وبعد أن فرغ من صنعها أخذها معه لشرفته المُطلة على غابات صنوبرية مُفعمة الحيوية حين يجدها كل صباح تتجدد كوجه بشري ساطع ضحكاته، اعتاد هو التقليب بين صفحات الجريدة، كما اعتاد ثلاث شبان يبتهج مجرد رؤيتهم سويًا مُجتمعين.

ولأنه شخص روتيني فالمتكرر كل صباح له كما هو، حتى الشبان الثلاثة المُجولين قاصدي الغابة يأتونه كل صباح، إلى أن ازدادت درجة القرب بينهما حينًا فـآخر، وقتما كان يخرجا من الغابة بعد نهار شاق، يجلس هو مُتخذًا وضع الانتظار لرؤية علامات الكفاح على خطواتهم.

إلى أن كان القرب قد ازداد أكثر وقتما القى الشبان تحيتهم في وضع صباح، مُستهلًا يومه جوار قهوته وأمامه ثلاث يعبرون حتى التلاشي، فأعتاد معهم الحيل، لا بجسده أنما بذهنه، يشرد في غير عودة إلى أن يظهرون مُجددًا مُلقين التحية مُديرين بظهورهم لرحيل آخر.

لكن ها المرة شرد ذهنه على غير رجعة، انتظر المجيء ولم يأتِ أحد، ما الذي جرى ليتأخروا لهذا الوقت، موعد العصر ها قد عبر هو الأخر، كما المغرب والعشاء قد أتيا عليه وهو في وضعه الجالس القرفصاء أرضًا ينتظر عبور أحدهم، شيئًا فـشيئًا نسمات الصباح بدأت تهل عليه، ظل واقفًا ينتظر أن يأتوا قاصدين دخول الغابة فكان الوضع غياب.

بدأ اليأس يتسلل إلى قلبه، حتى أتاه أحدهم حاملًا جريدة ورقية اعتاد تقليبها كل صباح، ليقشعر بدنه مجرد رؤية صور لثلاث شبان مُختلطي الوجوة بالدماء، تمعن الدقة في الوجوة ليُدرك بأنهم هم الثلاث قاصدين الغابة، تحرى التدقيق في أسطر جوار الصورة، لتأتيه الصاعقة بأن هؤلاء الشبان من المقاومة الفسطينية، وكونهم دبروا عملية استشهادية كانوا يُعدونها منذ أيام ماضية، أدرك أنه مجرد اليوم الذين ظهروا أمامه هو أول أيام طريقهم للشهادة.

اصطحب فنجان قهوته نحو مكتبه في الغرفة المجاورة للشرفة أياها، أخرج ورق ناصع البياض وقلم حبري أسود، كانا قد أثارا النفس فيه مرارًا إلى أن صور المشهد قائلًا: «وحدن بيبقو مثل زهر البيلسان.. وحدهن بيقطفو أوراق الزمان.. بيسكروا الغابة بيضلهن مثل الشتي يدقوا على أبوابي على أبوابي».. الشاعر «طلال حيدر»

وهي بصوتها الملائكي الحنون تغنت بها، مُتخذة وضع المُنادي حين تنطرهم هي الأخر في انتظار ثلوج جبل لبنان المُكتسي قمته بالثلوج.. «ياناطرين التلج ما عاد بدكن ترجعوا.. صرخ عليهن بالشتي يا ديب بلكي بيرجعوا»، وحين أدركت الرحيل دون رجعة صاحت «ضوي قناديل وأنطر صحابي.. مرقوا وفلوا بقيت عبابي لحالي.. يا رايحين والتلج ما عاد بدكن ترجعوا.. صرخ عليهن بالشتي يا ديب بلكي بيسمعوا».. عن فيروز.

التعليقات