«وتسحرنا البدايات»: كنت هموت.. بقلم هاجر عبد الرحمن

«وتسحرنا البدايات»: كنت هموت.. بقلم هاجر عبد الرحمن
هاجر عبد الرحمن
هاجر عبد الرحمن
هاجر عبد الرحمن

كالعادة متأخرة على موعدي.. هي عادتي السخيفة التي إكتسبتها من بعض أصدقائي.. فدوماً أعلم أن موعدنا في الخامسة مساءاً قد تعني السادسة و النصف على الأرجح، لكن اليوم ليس ضمن قانون الأصدقاء ” فاليوم هناك مؤتمر إعلامي للشباب مهم بالنسبة لي وأخطط منذ فترة لحضورة ويجب أن لا أتأخر.. لا يجب أبداً.

المقيمون في مدينة «السادس من أكتوبر» سيتفهمون موقفي الأن تماماً
هو طريق طويل يفصلني عن العالم.. طريقٌ واحد فقط، يُدعي المحور« شفانا الله وعافاكم إياه».. بحسابات الفيزياء فإن الوقت المستغرق لعبورة لا يتجاوز الـ 30 دقيقة على سرعة 90 كيلو متر وضمن تصنيفات الطرق المرورية هو ضمن قائمه الطرق السريعة .

لكن، طبيعة الأمر غير ذلك تماماً.. فقد تنفق من عمرك بضع ساعات لا بأس بها  “يومياً” ذهاباً و إياباً  دون أن تشعر، لذلك إقترح بعض الأشخاص قوائم مختلفة  بالأمور التي يمكن أن تستغل بها الوقت وأنت على «المحور» كالقراءة والمذاكرة وسماع الأغاني و أحدهم أقترح التأمل ذات مرة.. قد تتوالى القصص والطرائف على هذا الكبري ولا تنتهي،
لكن، لا بأس أن يصبح هذا الطريق جزء من حياتي طالما أردت أن أتصل بالعالم المحيط.. هو قدري وأنا أرتضيت
لكن، اليوم هو «الخميس» وهذا يعني أن تقوم بضرب معاناتي اليومية هذه في رقم 3 علي أقل تقدير .

لا توجد مواصلات و الناس كالحشود ما أن يروا ميكروباصاً من بعيد حتي تهتز الأرض من وقع الأقدام المتلاحقة عليه ولا يري السائق من سيارته شيئاً سوى رؤوساً تختزن وتُحشر داخل السيارة حتي قبل أن يعرفوا إلى أي منطقة سيتوجه هذا الميكروباص المنتظر.

و حقيقة الأمر هذه آخر الإهتمامات الممكن التفكير فيها في موقف كهذا  «أحجز كرسي  وبعدين إبقى إسأل» هذا قانون «الخميس»

وقفت كالبلهاء في منتصف الطريق.. أنا بالفعل متأخرة على موعدي.. الوقت ضيق.. والبداية لا تبشر بخير.. الناس كثيرة و لست مخبولة لكي أفكر مجرد التفكير في أن أُنازع أحدهم على كرسي داخل سيارة متحركة.. فكرة سيئة للغاية، الطريق بالفعل سيأخذ ما لا يقل عن ساعة ونصف «إن كنت من المحظوظين»

هل أعود وأعتذر أم  أكمل وأحاول وأمري إلي الله !!

لم أطل التفكير فقد فقتُ من تفكيري العميق على صوت «كلاكس» عالي ومتوالي حتى وجدت نفسي أمام سيارة ميكروباص مكتملة العدد و متوجهه إلى وجهتها.. فسألت تلقائياً «معاك واحد رمسيس لو سمحت» حتى وجدت السائق يخبرني سريعاً «أركبي أركبي»

رزقني رب العالمين برجل تجاوز الثمانين من العمر يجلس علي مقعدين بجانب السائق فتنازل لي عن واحد منهم تكرماً لكي أجلس بجانبه.. حمداً لله
ومن هنا بدأ كل شئ

بحكم العادة أخرجت سماعات الأذن و بدأت في الانغماس في موسيقاي الخاصة وعيناي لا تفارق الساعة
العقارب سريعة و الطريق لا يتحرك
حتى تنبهت بأن احداً يتحدث الي جانبي.. يحدثني أنا

أنه السائق .. يعطيني باقي الأجرة و يكمل حديثه بعد أن أشار لي بنزع سماعة الأذن لأستمع لما يريد

– حاطة أنتي السماعات ولا همك – وضحك – أنتي محظوظه والله لولا الراجل البركة ده كان زمانك واقفه ساعة على بال ما تركبي.. إنهاردة الخميس بقي وأنتي عارفة مش أنت من أكتوبر برضه ولا إيه – وأكمل ضحكاته –

اومأت برأسي بالإيجاب  ووجهت نظري إلى ذلك المسن وأنا مبتسمة ابتسامة راحة يغلبها إمتنان شديد.
– أنا متشكرة أوي يا عمو بجد مش عارفة أقولك ايه وآسفة بجد أني شاركتك في الكرسي التاني بس معلش بقى
أنت شايف الناس فوق بعضها إزاي
– أنتي زي بنتي ربنا يسترها معاكي و معاهم إن شاء الله و توصلي بالسلامة.. أنتي شكلك مستعجلة ربنا يسهلك الطريق إن شاء الله

– “قلتها بمنتهي التلقائية  وبحكم العادة ايضاً  «أه والله يا عمو «كنت هموت»  وألاقي عربيه علشان ألحق أوصل في ميعادي..عندي مؤتمر أصلاً و بدأ من ساعة وخايفه أروح يكون زمانه خلص .

إبتسم..ثم صمت..ثم ضحك ضحكة عالية، فإبتسمت بالفطرة دون أن أفهم مغزى إبتسامتة ثم صمت أنا إيضاً ووجهت نظري إلي الطريق.. فوجدته ينقر بإصبعي على كتفي لألتفت
فإلتفت، ليقترب من أذني و يخبرني هذه الكلمات

– عارفة أنا عندي كام سنة دلوقتي ؟
«فأشرت برأسي لا» فأستأنف حديثه «أنا عندي دلوقتي 83 سنة عندي خمس بنات وأحفادي دلوقتي في الكليات وفي منهم فاتح بيوت كمان»
فقاطعتة – ربنا يديك الصحة يا رب
– عارفه انا ضحكت عليكي ليه ؟!
لم ينتظر مني إجابة وأكمل حديثه
علشان قلتي أنك «كنتي هتموتي» و تلحقي ميعادك
في تلك اللحظة «كنت أخبر نفسي مستفهمة عن المضحك في أمراً كهذا»! هممممم لا بأس إن المسنون لهم نكاتهم الخاصة
أستأنف حديثه وأنا أتابعه بإبتسامه بلهاء على وجهي  وأنا على دراية بأنه سوف يشرع في إخباري إحدي حكاوي المسنين عن الفرق بين زماننا وزمانهم وروايات من هذا القبيل مستنكر ما نعيش فيه هذة الأيام  وعن تصرفات جيلنا المتسرع الغير مبال بأي شئ وما الي ذلك، إذاً فليبدأ وسوف أتصنع الإهتمام لا مفر .

– وأنا صغير في المدرسه «كنت هموت» و أخلص بقى وأدخل التوجهيه دي كانت علي أيامنا متوعيش أنتي عليها
-أبتسم- ولما خلصت التوجهية «كنت هموت» وأدخل الجامعة.. ولما دخلت الجامعة «كنت هموت» و أبقى ظابط في الجيش
أما خلصت خدمه في الجيش «كنت هموت»  بقي وألاقي وظيفه بدرجة سادسة كده ولا حاجه وأبدأ اعيش حياتي بقى
ولما أبتديت شغل «كنت هموت» و أتجوز وأفتح بيت وأستقر.. وبعد كده «كنت هموت» وأخلف وأجيب عيال ويبقالي عزوه.. وكنت بمّوت نفسي في الشغل علشان أعرف أصرف عليهم وأربيهم كويس ويدخلوا المدراس.. جبت خمس بنات زي الورد
و«كنت هموت» علشان أطمن عليهم استرهم و يتجوزا و بعدها «كنت هموت» وأشوف عيالهم وألعب معاهم.. وبعدين العضمه كبرت شويه بقي – وضحك ضحكه خفيفه – وكله أتلهي في شغله و حاله، «كنت هموت» ساعتها وأطلع معاش  وأرتاح بقى.
ثم سكت برهه وسط نظراتي المترقبة وبإهتمام شديد لحديثه.. ثم أكمل بعد أن وجهه نظرات عينة إلي مباشراً
عارفه دلوقتي بقي ؟! ..  «أنا بموت فعلاً» والعمر جري من بين إيديا.. أخدت بالي أن بعد السنين دي كلها أني كنت هموت وأعمل حجات كتير ونسيت أعيش، ومافيش في العمر قد اللي راح يا بنتي .
–  تنهد تنهيدة حارة  ثم تابع وهو يقترب من أذني مرة أخرى –
بصي خديها نصيحة من راجل كركوبة زي كده – وضحك – إختيارات الحياة كتيرة أوي، كل شوية هتلاقي نفسك بتموتي علشان توصلي لحاجه ولما توصللها تحسي إن لسه ناقصك حاجه و تدوري على اللي بعدها.. حاجات ملهاش نهاية صدقيني .
أوعي تموتي علشان تعملي حاجه أو تمّوتي نفسك في حاجة علشان توصللها.. حاولي «تعشيها» بدل ما تمّوتي نفسك فيها وتلاقي العمر أتسرسب من بين إديكي  وأنتي طول الوقت مكنتيش بتعملي حاجه غير إنك بتحاولي « تموتي»

عن إذنك بقي علشان أنا نازل عند الملف اللي جاي.. ووجه كلامه للسائق قائلاً  «على جنب ياسطا لو سمحت وربنا يستر طريقك يابني»
فاتحة فاهي ولم أنطق حرفاً.. ربما كانت تلك الكلمات هي إحدى «البدايات» التي حرضت ذهني علي إعادة التفكير في كل شئ يخص منظوري لهذه الحياة ..

– يا آنسه.. حمدلله على السلامه المبني اللي إنتي عاوزاه.. آخر الشارع  يمين لامؤاخذة.. توصلي بالسلامه يا أبله .

 

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *