«وتسحرنا البدايات»: أن تكون عاديًا.. بقلم هاجر عبد الرحمن
هاجر عبد الرحمن
هاجر عبد الرحمن
هاجر عبد الرحمن

تتجول في احدى الشوارع المزدحمة مُرتدية مِعطف أنيق بسيط وبنطال جينز مع حذاء رياضي وتخفي عيناها البنيتين اللامعة خلف عدستا نظارة شمس كبيرة على الرغم من وشوك الغروب لا يظهر من ملامحها سوى إبتسامة مريحة دون أي مساحيق تجميل وأذناها الصغيرة التي تكشف عنهم، جامعة خصلات شعراتها الحمراء على شكل كعكة في منتصف رأسها  المستدير  ..

تمشي في الاتجاه المعاكس للمارة  فـ تصبح كل الوجوه في الجهه المقابلة لها، تنظر في وجوههم  بإمعان على الرغم من مرورهم غير معنيين بالنظر اليها  ينفثون غضبهم من زحمة الطريق ويلعنون هذه الحياة الرتيبة المملة..لا أحد يلاحظهم أو يكترث لأمرهم.. وكم هذا مؤلم بالنسبة للآخريين .. أن تكون غير مرئياً.
في كل منزل تستيقظ فتاة أو شاب  ينظرون صباحاً إلى وجوههم في المرآة.. يمعنون النظر و يطيلون.. يرون ما بعد ملامحهم.. يرون أحلامهم متجسدة.. ونافذة أخرى لطريق أمانيهم .. ينسجون مواقف و حياة أخرى من حياتهم المستقبلية.. مخبرين أنفسهم كم هم مميزين كم يشعرون أنهم يملكون ما لا يملكه غيرهم سوى قليل في هذا العالم.. حانقين على الحظ و الظروف التي تعمي من حولهم عن رؤية ذلك..  فيعودوا من نافذة الأحلام إلى واقع الصورة المنعكسة في المرآة مره اخرى و يرجون اليوم الذي لا يتوقفون في السعي إليه ما دامت تدب الحياة في وريدهم

ربما هم حقا مميزون.. وربما ليسوا كذلك.. لا يوجد أحد متأكد من أمر كهذا.. ولا يهمهم حقاً إن كانوا أم لا.. فقط يريدون أن يخرجوا من هذا الحشد المزدحم  «العاديون»

كم ممل أن تكون عادياً.. وتائهاً
أحياناً غير مرئي.. هذا شعور البعض
كم يسعي البشر إلى أن يقفزوا من هذا القاع.. إلى الآدمية  «أدنى حقوقهم»
يتبدل يوم أحدهم عندما يبتسم شخص غريب من المارة إليه لا يعرفه  «من العاديين».. فيتأكد أنه من المرئيين لهذا العالم
أو آخر يخبره أنه يرى معه ما يحلم به وأنه يؤمن بقدراته و سيصل يوماً إلى ملاذه.. يخبره أنه يستطيع.. كم هو شعور مريح .

ولكني سأطلعك على  أمر ما.. أغلب البشر حقاً لا يكترثون إن كانوا مميزون في الحقيقة أم لا.. لكن جميعهم يريدون أن يتعاملوا كذلك.. معاملة أن تكون مميز.. لذلك تجد من يغرز مخالب أحلامه بين ثنايا جبل الشهرة حتى يعتلي قمتها.

بعضهم يتوه ولا يعرف من أين يبدأ الطريق وإلى أين سينتهي.. ومنهم من تكسر مخالبهم وسط حدة الصخور فيسقطوا إلى الهوية فإما يلقوا حتفهم أو يسعون من جديد متفادين تلك المنطقه الوعرة التى ألتهم للسقوط  «هؤلاء من هم مميزون حقاً».. وآخرون يدهسون بأقدامهم على من يقربوهم ليعلوا غير مكترثين.. كل شئ مباح للوصول الي القمة.. يتكالبون على جبل الشهرة في حشود كيوم الحشر العظيم ..

فتنظر للمشهد من بعيد لترى أناساً على القمة و حشوداً حاضنين صخور الجبل بقوة متمسكين بالوصول، لكنهم لازالوا في طريقهم.. من بينهم من أوشكت يده على الإفلات، فتراه في لحظة سقوطه.. وآخرون في القاع  يلتفون حول هذا الجبل كالحجاج حول الكعبة.. المنظر مخيف حقاً لمن يراه من بعد..

تسحرهم بدايات الأمر ومغريات الطريق .. كأنه سيصنع جنته على خواء هذه الدنيا..  تسعى نظراته إلى  بريقها.. تشتهيها كأشعة الشمس في يوماً تسوده الغيوم..  لكن كلما اقتربت منها واتسعت حدقت عيناك للنظرعن قرب .. قد تصاب بالعمى.. وعمى البصيرة ليس له علاج  حين يصبح الغرور هو سيد الموقف
لذا تعامل مع الأمر بحرص لأن من يصاب بالعمى يسقط لا محالة ولا يعي ذلك إلا وهو في القاع  تدهس رأسه الحشود لتعلو كما فعل هو سابقاً.

كم هو مؤلم “ألم السقوط و خيبة الأمل ” في آن واحد .

أن تري المشهد مرة أخرى بعد إستعادة وعيك من قوة إرتطامك بالقاع.. لتجد أناساً كانوا يقربوك وعلوا هم وسبقوك، قد لا تستطيع رؤيتهم الآن بين سحاب القمه كما هو حالهم لا يستطيعون رؤيه الحشود بعد الآن.. لا تجرؤ على طلب المساعدة بعد أن تذكرت قدماك التي وطأت على أعناقهم لتعلوا غير مبال بلحظه السقوط
هذه هي الحياة.. لا تدركها الإ فور إصتدامك بالهاوية.
تلك الفتاة ذات العينين البنيتان اللامعتين..«عينان حالمتان».. هي فتاة «عادية»  تمشي في الطريق المعاكس  وتمعن النظر في وجوه الحشود المتجهين إلى قبلتهم
تساعدهم في إستيعاد توازنهم.. في ثقتهم بنفسهم وأحلامهم .. تروي ظمأهم من مشقه الطريق  بالأمل و الابتسامات.. تنسج معهم خرائط أحلامهم نحو القمة حتى لا يضيعوا وجهتهم .. تعاملهم كبشر كآدميين قبل أن يصبحوا مميزون ففي بعض الأحيان يشتاق المميزون أن يكونوا «عاديون» ليتأكدوا من صدق من حولهم ومشاعرهم دون أن يغلب عليهم سحر الشهرة وبريق الأضواء.. هم مميزون بصداقتها ودعمها فإكتسب ساعدها قوة يومًا بعد يوم من مساعدة الأخرين.. بيديها الممدودة دايماً، وتودعهم بإبتسامات نحو بلوغهم القمه لتعود الي دربها المعاكس لتساعد آخرون  للحاق بهم.
بعد أن تردد علي مسامعهم جملة واحدة «إذ لم تقدر.. فأخبر من حولك أنهم قادرون.. لعلك تصنع فرقاً في حياتهم.. لعلك تقدرعلى ذلك»

تلك الفتاة «العادية» ربما لم تلحق بركب المميزون إلى القمة «قمتهم» حتى الآن.. ربما لازالت في القاع بين الحشود و الأشخاص العاديون
لكنها نجحت في أن تجعل الكثيرمنهم مميزون.. يتذكروها جميعاً ما حييت أو بعد حياتها، يرددوا اسمها بين جدران القمة لينتشر صداه مداوٍ ليصل إلى مسامع الحشود أحياء
هى مميزة بين المميزين، فقد أدركت كم من المميز أن يصبح الشخص «عاديًا»
رأت ما  لم يروا.. لذلك سلكت دربها.. متجهة إلى قبلتها الخاصة
لا تعرف متي سينتهي الطريق.. لكنها تعرف أن هناك مكان محجوز لها علي القمة متى أرادت يمكنها إقتناءه
تعي ما ستصل له في النهاية.. إلي شمسها المضيئة.. ما أن تدرك ما تبحث عنه «ذاتها» ستصطحبها معها يداً بيد إلى القمة.. قمتها الخاصة..  وستروي لها في طريق العودة كم من «المميز» أن يكون الشخص «عاديا»  !