نوستالوجيا «محمد محمود» حين كان ملحمة نضال ثوري
من أحداث محمد محمود
من أحداث محمد محمود

«ياترى فاكر ولا ناسي.. الكلام والوعود.. ياترى فاكر ولا ناسي ولا جايز يوم تعود.. ياترى فين ألقيك.. وأية خلاك تبعد بعيد.. ياترى فاكر.. أول لما أتقابلنا.. ياترى فاكر المكان.. دا إحنا عيشنا أحلى الأيام.. وقولنا أحلى الكلام.. كلام ولا عمره أتقال.. ولا حتى في الأفلام»..

وقعت الكلمات كوقع مُحزن بآذنيه، استجاب لقدره الذي أوقعها في صباحه حين سمعها قادمة من كافية بالقرب من شوارع التحرير.. أخذ مخلوقة وجد فيها روحه التي تاهت عنه كثيرًا حتى نجح بملاقاتها في مُصالحة مع النفس، وجلسا بمقعد خاص يُصور لهم مشهد الميدان الفسيح..

حين حدثته قائلة: «فاكر أيام محمد محمود»، يصمت حينًا ليُحدث تنهيدة حاملة في طياتها الاشتياق، لا الاشتياق للأحداث، ففي الأحداث مأساة وحزن عميق مُرسخ بالنفس لا يزال قائمًا، لكنه اشتياق فريد للروح التي افتقدها هي الأخر، تلك التي كتبت تاريخ خاص عُرف على مدار ثلاث سنوات بـ«ملحمة النضال الثوري»..

أتخذ من الروح سبيل نحو المقر الذي تآن الذاكرة من جراحه، هنا وقف يسترجع ذكرياته وكأنه بالأمس القريب، بدأت السحب البيضاء تتجمع كـسحابة مُتحركة تخفي ما يعلوها لتُشعره وكأنه مُحاط بهالة فريدة، حتى رائحته التي أعمت عيناه، اخفت عنه حتى روحه الكائنة جواره..

يده تُعلن تجمدها وسط برد قارس بمحيط مدينته النضالية، والدفء يتسلل شيء فشيء مُحدثًا حالة متوازنة تُجسدها الملحمة المشارك بأحداثها..
«ناس بترقص وناس بتموت.. وأعلى صوت في الحفلة صوت السكوت»..

بدأت آذناه تُعلنها، هنا يختبيء خلف جدران قائمة، وأمامه بركة مياه تشهد ظله، تحرك قليلًا ليخفي ظله الكائن، لتأخذه حارة ضيقة تسمح بالتقاط أنفاسه بين شهيق وزفير مكتوم صوته..

حين هدأت الأصوات من حوله، بدأت قدماه تأخذه هنا وهناك رغبة في الخلاص من تلك العاصفة التي رأها بعينيه..

«بعتوا القضية.. وهقول حرية.. صوتي صوت الحق يعني الأغلبية.. طظ في كلامك طظ في أيامكم.. أنا الكابوس اللي في وسط أحلامكم»..

مجرد أن وصلت تلك الكلمات لآذناه، هزت بدنه قشعريرة عملت بدورها على سحبه من عالم الأحلام ليستقر أمام سيارة يخرج من خلف زجاجها الأسود رجل تهتز أوتاره الحنجرية مُتخذة موضع الصعود فالهبوط، لتعود به مُجددًا لعالم واقعي ًصم..

يقف الآن جوارها، ترجوه أن يتحركا من مكانهما فـالرصفان مقر آمن للذكريات والآهات القادمة من الماضي، خرج من غفلته، والنفس تآن جرحًا على حلم توّج الروح يومًا أميرة على عرش قلوب الثوار..