معتقل.. وميت.. ومطارد.. الثلاثة لم يكملوا سن الـ 20

معتقل.. وميت.. ومطارد.. الثلاثة لم يكملوا سن الـ 20
الثلاثة

 

الزمان.. «أيام ما كان لسة في ناس ممكن تموت مش لجل لقمة ولجل قوت، يعني الزمان كان من زمان».. المكان.. «أسفل إشارة عمر مكرم.. جنب الصينية تحديدًا».. المشهد.. «صوت نفس ، مزيكا توحي بالقلق، دقات لقلب بينتفض، منظر لحبات العرق، على جبهة من الشمس استوت»..

ثلاث شباب، يتخذوا من الكتف خير سند وصاحب، تحت راية سوداء مُرصعة بـ قبضة بيضاء، لتُعلن عن مولد حراك شبابي خالص يُدعى «6 أبريل»، التقيا والعمر تدق عقاربه مُعلنة الـ 16، عامًا يُشار إليهم فيه بـالمراهقة، إلا أنهم تحدوا النفس والذات في غير رغبة لهذه الكلمة أن تتردد على مسامعهم.

فلاش باك..

المشهد الآن.. صفوف مُندفعة نحو ركعة الميدان.. امتلأ عن بكرة أبية في غير تفرقه لجنس عن غيره، «ممدوح» و«هشام» تركا درس التاريخ ليلتحقا بالتظاهرات التي وجدوا الدعوات عنها تُغرق ساحات «الفيس بوك»..

مقاطع فيديو تُصور المشهد الوحشي لذوي البدلات السوداء في غير شفقة ينهالوا ضربًا على شاب يُقدر عمره بسنوات تفوقهم بعامين أو ثلاث على أقصى تقدير.. جسد نحيل يُكوم جانب حائط أصم، ينهال عليه سوط تابع لـ جرباج يُلوحوا به فوق جسد بالي..

علامات بدت تتصور على وجه الشابان في إثارة لشعورهما مما وجدونه في عالم آخر بعيد كل البعد عن أعينهما، ما أثار حفيظتهما ليٌقررا الخروج سويًا مطلع الـ 28 من يناير 2011..

قُطعت الاتصالات.. باتت سرينة عربات الأمن المركزي هي السائدة بين جنبات الطرقات، كافة الشوارع تُعرب عن ردات فعلها القاسية تبعًا في مشهد لم يتجسد أمام أعين هذا الجيل سوى بأفلام سمتها العظمى الأبيض والأسود، حين خرجت الجموع مُردده «سعد سعد يحيا سعد»..

على أعتاب الركعة البيضاء من أرض المحروسة، جاء الآذان يتخلل هتافات توقف انسياب النيل ليستمع لها، هدأت الأصوات، وأعلن «مصطفى الصاوي» ذاك الشاب الداعية البسيط الإقامة، بدأت الجموع تصطف خلف بعضها مُعلنة صلاة العصر.. تقدمت عربات ذوي البيادات السوداء، وفي غير رحمة اندفعت المياة لتستقر على رؤوس المُصليين، الذين استقبلونها في ثبات مُكملين صلاتهم..

«هشام وممدوح» بالصف الثالث أعلى كوبري قصر النيل، دقات القلب بدت تُسمع من روعة المنظر المشهود أمامهم، حياة أخرى تبدأ نسج معالمها بمخيلاتهم، «تُرى سيعودا إلى منازلهم هذا اليوم؟»، لم يكن هذا الأمر ببالهم، فقط التحدي الأعظم كان تخطي تلك العربات الزيتية والأعين تستقر صوب ركعة الميدان..

لحظات.. أدرك ذوي البدلات السوداء أنه لا مفر من استخدمات العقاب الأكبر، لم يلبث حتى غطت الهالات البيضاء «قنابل الغاز» الكوبري كافة، حتى تبدلت معالمه لم يعد ظاهرًا من ضمن ساحة المعركة الفاصلة..

تفرق الجموع.. هنا «ممدوح» لم يُستدل بعد على وجه «هشام» بين الوجوة من حوله، أخذ يتحرك على غير هُدى لما هو أتِ أمامه، ألا أن قدمه تعرقلت بكومة على جانب الحديد الأخضر للكوبري، اصطدم فيه فسقط جانبه، بعدما تدارك الموقف رأى تلك الكومة المتكومة جانبه شخص يُصارع ليلتقط أنفاسه طلبًا في شهيق مُلحق بزفير بسيط..

أخذ بيده مُسندًا إياه مُبتعدًا به عن السحب البيضاء المُهلكة، لحظات وجد نفسه جوار الأوبرا مُسلمًا جسده للأسفلت في تنهيدة تُعاني شدة الآلام التي لحقت بها.. ثوانِ سمع نفس أتِ من الخلف، نظر بطرف عينه ليلمح طيف «هشام».. منذ ذلك الحين «ممدوح» و«هشام» و«مجدي» أصبحوا رفاق درب من نوع خالص..

أما الآن.. منذ قرابة الـ 9 أشهر، وجد «هشام» جثة هامدة تطوف أعلى مياة النيل، وإلى الآن لم يُستدل بعد بإي ذنبًا قُتل..
وعن «ممدوح»، فهو الآن ضمن المئات خلف القضبان يُحاكم على خلفية قضية «مجلس الشورى»، لكونه خرج مُحتجًا على قانون يدعون كونه «قانون للتظاهر»، وعليه فقد حُكم عليه مؤخرًا بـ خمس سنوات يقضي أروع سنوات عمره رفيق زنزانة مترين فـ متر.

أما الرفيق الثالث.. فـ هو الأصعب حالًا، «مجدي» فصلته الجامعة على خلفية إتهامه في قضية «تخريب وحرق مُقتنيات بالكلية»، لم يصل أحد لمحل إقامته إلى الآن، فـهو فضّل أن يُدافع عن حريته بالهروب من محلًا لآخر، هو الحي المُطارد في موطنه مُفتقرًا للأمان المُدعى وجوده بأغاني المحروسة..

إلى رفق الدرب.. «ممدوح جمال».. «هشام رزق».. «مجدي علاء».. معتقل.. وميت.. ومطارد.. الثلاثة لم يكملوا سن الـ20..

التعليقات