محامون يستشعرون «العدل» قبل أن تستشعر «النقض» الحرج


خبراء القانون يتساءلون: هل خالفت «النقض» الأعراف القضائية؟

تقاليد جديدة أقدمت عليها محكمة النقض فى الآونة الأخيرة، لم تعرفها المحكمة، وهى أعلى سلطة قضائية فى البلاد، فى وقت سابق، كان آخرها التنحى عن نظر الطعن المقدم من الناشط السياسى علاء عبد الفتاح، فى الحكم الصادر ضده بالقضية المعروفة إعلاميًا بـ”أحداث مجلس الشورى”، وذلك حسبما تبين لاستشعارها الحرج.

التقليد الأول من نوعه، الذى أثار اندهاش كثيرين من المراقبين، جاء بعدما خرجت المحكمة من بيتها الشامخ، بدار القضاء العالى بوسط القاهرة، وانتقلت إلى أكاديمية الشرطة، لنظر طعن النيابة العامة على حكم الجنايات الصادر بعدم جواز محاكمة الرئيس الأسبق حسني مبارك في وقائع قتل متظاهري ثورة 25 يناير، إلى قاعة المحاكمات بأكاديمية الشرطة، وذلك بجلسة 2 مارس الماضى، وكان ذلك لأول مرة فى تاريخها.

قرار المحكمة بالانتقال إلى القاهرة الجديدة مطلع العام الحالى، حيث مقر أكاديمية الشرطة وخروجها من مقرها الأصلى بدار القضاء العالي جاء بعد تأجيل القضية لأكثر من عام، وذلك استجابة للدواعي الأمنية، التي تصاحب محاكمة الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك، حيث يتطلب نظر موضوع الطعن حضور مبارك جلسات المحاكمة داخل قفص الاتهام.

جاء في نص الخطاب، الذي أرسلته محكمة النقض إلى مدير أمن القاهرة كالتالي: “بمناسبة نظر الجناية 364 -قصر النيل- المعروفة إعلاميًا بقضية القرن المتهم فيها الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، والمحدد لنظرها جلسة 2 مارس 2017 بمقر أكاديمية الشرطة يرجى التفضل بالعلم، واتخاذ اللازم نحو نقل المحكوم عليه إلى مقر الأكاديمية بتاريخ الجلسة المشار إليها”.

طعن مبارك فى قضية “القرن”
قررت محكمة النقض في مرات سابقة تأجيل نظر طعن النيابة العامة على حكم الجنايات الصادر بعدم جواز محاكمة الرئيس الأسبق حسني مبارك عن وقائع قتل متظاهري ثورة 25 يناير، لتوفير مكان مناسب يمكن انتقال المحكمة والمتهم إليه.

وجاء القرار بعد تعذر نقل مبارك للمرة الرابعة إلى مقر محكمة النقض بدار القضاء العالي، ونظرًا لوجوب حضور المتهم أجلت المحكمة 3 جلسات سابقة لم يحضر فيها الرئيس الأسبق إلى مقر المحكمة، لأسباب أمنية وصحية تتطلب نقله بطائرة من مكان إقامته بمستشفى المعادي العسكري.

وخلال الجلسة قبل الأخيرة فى وقت مضى، عرضت المحكمة الخطابات الواردة إليها من وزارة العدل، والمكتب الفني لمحكمة النقض، ووزارة الداخلية، وأكاديمية الشرطة، والمجمع الطبي العسكري، التي انتهت إلى موافقة جميع هذه الجهات، على إمكانية نقل انعقاد المحكمة إلى قاعة المحاكمات بأكاديمية الشرطة، حيث يمكن نقل مبارك إليها أيضًا.

أما التقليد الثاني فجاء قبل أيام قليلة بعد قرار محكمة النقض، بالتنحى عن نظر الطعن المقدم من الناشط السياسي علاء عبد الفتاح، على الحكم الصادر ضده فى القضية المسماة إعلاميًا بـ«أحداث مجلس الشورى»، وأثار اندهاش كثيرين، لعدم سابقة تنحى «النقض» عن نظر القضايا المعروضة عليها.

أول مرة فى تاريخها
يقول علي أيوب، المحامى والخبير القانونى، فى تصريحات لـ”التحرير”، إن محكمة النقض لم تتنح من قبل منذ تاريخ إنشائها عن نظر قضايا مطروحة أمامها، وإذا كان هناك ما يدعو لتنحيها لأسباب كوجود قاض بين أعضاء الدائرة سبق له مباشرة التحقيق فى القضية مثلًا، أو إبداء رأيه فى القضية بشكل عام، مثلاً، فيكون هذا الأمر معلومًا بالضرورة لأعضاء هيئة الدفاع عن المتهمين.

وتابع “أيوب” موضحًا أن تصرف المحكمة غير مبرر وليس منطقيًا، لأن النقض فيها شيوخ قضاء، وهم أعلى هرم قضائى فى مصر، لا يخشون فى الحق لومة لائم، ومن المفترض تصديهم لأى طعن حتى لو كان خاصًا برئيس الجمهورية.

ملاذ المظلومين
وأكد المحامى فى حديثه أن محكمة النقض هى الملاذ الأخير لإنصاف المظلومين، وتصحيح الأخطاء القانونية، التى قد تقع فيها بعض دوائر الجنح المستأنفة والجنايات، وذلك من خلال دوائر النقض الجنائى وجنح النقض، وأى دفاع للمتهم يكون على ثقة كاملة فى شيوخ محكمة النقض وجميع دوائرها، أما وأن تستشعر المحكمة الحرج وتحيل الطعن لدائرة أخرى فهذا يثير مخاوف الدفاع، وتخلق لديه تكهنات مريبة وتسبب حالة من الضعف فى الدائرة المحال إليها القضية.

وفقًا لحديث المحامى على أيوب، الخبير القانونى، فإن القانون جعل إنشاء محكمة النقض ومقرها بدار القضاء العالى بالقاهرة، لكنه أتاح لها فى نص جوازي، أن تطلب الانتقال للخارج، وفقًا لأى مستجدات قد تطرأ على الوضع العام بالبلاد، مثل الدواعي الأمنية على سبيل المثال، وهو ما حدث فى “قضية القرن”.

الجميع يأتي إلى النقض ولا تذهب لأحد 
«محكمة النقض يأتى إليها الجميع من جميع المحافظات، ولا تنتقل الدائرة لأحد»، عبارة أكد عليها “أيوب”، مشيرًا إلى أن قاضى النقض لا ينزل أى متهم ولا أى قضية، فالجميع سواسية أمام القانون، وإذا كان هناك تذرع أو مبرر من قبل وزارة الداخلية لنقل مقر محاكمة ما لدواعٍ أمنية، فالأمر متعلق بالجهاز الشرطى فقط، ولا بد من وجود ما يسمى بالشرطة القضائية التى تحمى العدالة.

بدوره يعلق مختار منير، المحامى، على قرار النقض بتنحيها عن نظر طعن علاء عبد الفتاح، مؤكدًا أنها المرة الأولى التى تتنحى فيها أعلى سلطة قضائية عن نظر قضية منظورة أمامها.

هل خالفت النقض الأعراف القضائية؟
أشار “منير” لـ”التحرير”، إلى أنه بعد البحث والمراجعة أكثر من مرة، تبين أنها المرة الأولى فعلًا للنقض بصدور قرار تعلن فيه تنحيها عن نظر قضية ما، وهو ما يثير تساؤلات عدة، هل خالفت النقض الأعراف القضائية؟، وتابع متسائلاً: “هل ستحمل السنوات المقبلة ممارسات جديدة من محكمة النقض تخالف فيها غالبية الأعراف القانونية التى سنتها وتسير على نهجها منذ سنوات طويلة؟”.

أسباب التنحى
وقال الخبير القانونى شعبان سعيد، فى تصريحات سابقة لـ” التحرير”، إن المحكمة غالبًا غير ملزمة بإبداء أسبابها حال تنحيها عن نظر أى قضية، وتكتفى بالتنحى لاستشعار الحرج، إلا أن ما حدث اليوم من محكمة النقض بعد قرارها بالتنحى عن نظر الطعن المقدم من علاء عبد الفتاح «موضوع جديد على القضاء عرفًا».

أوضح «سعيد» فى تصريحاته، أنه لم يسمع من قبل عن تنحى دائرة من دوائر النقض عن نظر قضية ما منظورة أمامها، لافتًا إلى أن قضاة محكمة النقض لم يكن لهم انفتاح قديمًا على المجتمع كهذه الأيام، ولم تكن لديهم علاقات واسعة، إذ إنه من الطبيعى أن قضاة محكمة النقض يسمون بـ«شيوخ القضاء»، يقضون غالبية أوقاتهم فى البحث والتنقيب فى مواد القانون والدستور المتشعبة، ويبحرون فيها لدرجة تجعلهم لا يتأثرون بأى مما يدور فى المجتمع من آراء فى قضايا معينة أو الاهتمام بما يردده أهل الصفوة والمجتمع عن أمور سياسية أو مناحٍ قضائية معينة.

عرف جديد
يكمل الخبير القانونى موضحًا “اليوم بات قضاة محكمة النقض كغيرهم من القضاة يتأثرون بما يدور فى المجتمع، ويختلطون بالأشخاص العاديين”، وعقب “قد يتأثر القاضى بما يردده البعض عن موضوع قضية مطروحة أمامه، ورأيهم فيها ينعكس على قرار المحكمة”، على حد قوله.



-اقراء الخبر من المصدر
محامون يستشعرون «العدل» قبل أن تستشعر «النقض» الحرج