لعنة ركلات الجزاء.. «الركلة الأولى»

كيودي

«ضربات الجزاء»، «ركلات الترجيح»، «ضربات المعاناة»،«ضربات الحظ»، «ضربات الموت»، تتعدد المسميمات وتلاعب الأعصاب واحد، ف«مباراة» تستغري 90 دقيقة وأحيانا تمتد إلي شوطي إضافين كل منهما ربع ساعة لا تستطيع أن تتلاعب بأعصاب الجميع مثل ركلة الجزاء التي لم تستغرق تسديدها أكثر من دقيقة، فالبعض قد يري أن ركلة الجزاء سهلة إلي حد ما لكون اللاعب الذي يُسدد الكرة على بعد مسافة صغيرة من المرمي، ولا يفصله عن الشباك سوي حارس فقط، ولكن لم ينظر أحد لأن المسافة قد تصل إلي 12 ياردة، ولا أحد ينظر إلي ما يشعر به اللاعب المسدد لكرة لأن الآمال أصبحت معلقة به سواء لتسجيله هدف الفوز أو التعادل، أو إلي آهات جمهور اللاعب أو صافرات الاستهجان من جمهور المنافس، فكلها عراقيل قد تؤدي إلي إضاعة الضربة.

«ركلة جزاء» قد تصنع منك أسطورة محفورة بأحرف من ذهب، و«ركلة جزاء» تجعل منك لاعبًا بدون تاريخ، لاعبًا مر مرور الكرام، فعندما تقلب في وريقات تاريخ ركلات الجزاء، فأنك ستري هناك نجومًا أصبحوا أداة لحسرة جمهورهم على فقدان اللقب أو الكأس بعد إهدار الركلة المنتظرة.

سنذهب سويًا إلي الدرجة الثانية من الدوري الإيطالي لكرة القدم، وموسم 1980 -1981، حيث كان الصراع في «السيريا B » (الدرجة الثاينة) على التأهل إلي «السيريا A » ( الدوري الإيطالي الممتاز), صراع رباعي أطرافه هم : «ميلان – «لاتسيو»  – تشيزينا – جنوى»، وشاءت الأقدار أن  تكون الجولة قبل الأخيرة هي الجولة الحاسمة «جولة الموت» لتحديد الفريق الصاعد إلي الممتاز، وفي 14 يونيو 1981،  وكانت المواجهات الفرق الأربعة كالتالي الميلان يواجه مونزا، وتشيزينا مع فوجيا، وجنوي مع اتالانتا، و«لاتسيو»  مع «فياتشنزا» .

ولعل ما نرصده في مقالتنا هي المباراة بين «لاتسيو»  و«فياتشنزا» .

وعلى ملعب «الأولمبيكو» ملعب نادي ««لاتسيو» » حيث يحل علىه نادي ««فياتشنزا» » ضيفًا في حضور 60 ألف متفرج، من آجل مساندة الفريق في مباراته المصيرية.

انطلقت صافرة حكم المباراة، إلي أن استمر الشوط الأول بدون أي أحداث مهمة، حتي انتهي الشوط بالتعادل السلبي، وفي الشوط الثاني للمباراة، وفي لحظة صمت فيها 60 ألف متفرج تقدم نادي ««فياتشنزا» » بهدف أول عن طريق كلاوديو فاكيتي، الأمر أصبح صعبًا على «لاتسيو»  الذي يحتاج إلي الفوز للصعود للدوري الممتاز، الأمور معقدة الآن، صدمة في المدرجات من الهدف المفاجئ، الكل يفكر في حلول ولكن الحل الأوحد بأقدام لاعبي «لاتسيو» .

لجأ المدير الفني لنادي البيانكوشليستي “«لاتسيو» ” إلي إجراء تبديل، بإدخاله المهاجم « ستيفانو كيودي»، في محاولة لتعديل النتيجة، لم يستمر الموقف كما هو طويلاً، حتي أحرز المدافع«بوكيشي» لاعب «لاتسيو»  هدف التعادل بعد عرضية من ضربة حرة مررها اللاعب «فيرناندو فيولا» إلي «بوكيشي»، ليضعها في الشباك معلنًا عن عودة «لاتسيو»  للمباراة.

فرحة في المدرجات، آمال تتجدد، فرحة ممزوجة بحزن لحين إشعار هدف آخر للوصول لحلم الممتاز، الوقت يمر والأمور تزازد صعوبة على «لاتسيو» .

غناء في الكورفا نورد اللاتسيالي التي لم تهدأ بعد هدف التعادل، حتي جاءت الدقائق الخمسة الأخيرة من عمر المباراة، والوضع أصبح صعبًا على «لاتسيو» ، والموقف يزداد سوء كلما مر الوقت، عقارب الساعة تُشير إلي الدقيقة 87 والكرة في منقطة جزاء نادي «فياتشنزا» ، الأغاني تملأ الملعب للشد من آزر اللاعبين، صافرة من حكم المباراة، توقفت الأغاني، صمت الملعب، الكل ينظر نحو الحكم ليُشير بيده معلنًا عن ركلة جزاء لنادي «لاتسيو» .

المدرج الشمالي يشتعل مرددين «lazio per sempre» .. «لاتسيو إلي الأبد»

أحتج لاعبي «فياتشنزا» على ركلة الجزاء وعلى قرار الحكم، حتي جاء وقت التنفيذ، واللاعب البديل ««كيودي» »  على التنفيذ، 60 ألف مشجع ينتظر اللحظة الحاسمة من «كيودي»، الجميع يترقب، صمت رهيب يُخيم على أرجاء الملعب، «كيودي» يحمل الكرة، العيون ناظرة إليه، وهو يتجه بالكرة نحو المرمي، ««كيودي» على التنفيذ، «كيودي» يقف لثواني صغيرة يتقدم يتقدم….. اوووووووووة تسديدة من «كيودي»… «كيودي» يضيع مش ممكن ! الصمت يتحول إلي حسرة !، لو علق وقتها الشوالي على المباراة لقال “غدارة غدارة غدارة … أبكي يا «كيودي»  … أبكي أيتها الجماهير .. الله على غدر الدنيا .. الله على غدر الزمان .. مش ممكن ، شوف الحظ، يا له من عقاب قاسي، يا «كيودي» مش مكتوبالك، مش ممكن «لاتسيو»  أضاع الصعود.

مشهد إعادة ضياع ركلة الجزاء (فلاش باك)

عندما نسترجع لقطة تسديد ركلة الجزاء، فأننا نري الركلة بـ«عين » «كيودي»، والذي رأي المرمي وقتها صغير للغاية قد يصل إلي مرمي آشبه بمرمي ملعب خماسي وليس مرمي ملعب الأولمبيكو، الذي اعتاد على التسجيل فيه، ورأي الحارس كأنه حارسًا عملاقًا ضخمًا، وعند تسديدة للركلة شاهد بعينه كل هذا فـ”ضاعت ركلة الجزاء” وضاع حلم الدرجة الأولي، وسط حسرة وحزن في الملعب من «كيودي» والمدرجات من حضور 60 ألف، وخلف الشاشات.

لم تنقذ الدقائق المتبقية «كيودي»، حتي الوقت لم يكن رحيمًا، وانتهت المباراة بصافرة الحكم، لتنتهي معها أسطورة «كيودي» لجمهور «لاتسيو» ، فـ”ركلة الجزاء” الحاسمة قد تبقى وصمة عار على اللاعب طيلت حياته، رغم أنها ركلة حظ ولكنها ستظل عار يلاحقه، وهو ما حدث مع «كيودي» بعد هذة الركلة ودخل في حاله نفسية سيئة، وحتى الآن يتذكر جمهور «لاتسيو»  ما حصل في ملعب الأولمبيكو، ولكن علينا ألا ننسي بأن «كيودي»  كان من أقوي مهاجمي العالم في أوروبا.

لعل هذه الركلة لم تكن الأخيرة والحاسمة بل علىنا ألا ننسي أيضًا «دونادوني»، في 90 وركلة «باجيو» الشهيرة كأس العالم 94 و«دبياجيو» في 98 و«تريزيجيه» في 2006 وغيرهم من النجوم والأساطير.

انتظروا الركلة الثانية مع قصة «باجيو» في كأس العالم 94.