كيف يراك الآخرون.. الإنطباع الأول.. بقلم منى الناغي
منى الناغي
منى الناغي
منى الناغي

 

لقد اهتم العرب بشكلٍ خاص بعلم الفراسة، ومدى تأثيره العميق على النفس البشرية، وكان يُمثل علم الفراسة جزءاً هاماً من تكويناتهم الثقافية والبيئية والإجتماعية، واعُتبرَ علمُ الفراسة من سمات الشخصية العربية ومن المكونات الرئيسية لها، وتوارثته الأجيال جيلاً بعد آخر.

في القرن الثاني عشر الميلادي، كتب “فخر الدين الرازي” كتابه الفراسة “دليك إلى معرفة أخلاق الناس وطبائعهم وكأنهم كتاب مفتوح” وقد عرّف الفراسة على أنها “الإستدلال بالأحوال الظاهرة في الجسد على الأحوال الباطنة”

ومع تطور أنماط المجتمعات العربية وتنوع وانفتاح ثقافاتهم المختلفة، سعى الباحثون في علوم النفس البشرية على صياغة أساسيات لعلم الفراسة، وذلك وفق أساليب أكثرمنهجية ودراسات بحثية ومع الأخذ في الإعتبار المتغيرات في الواقع الإجتماعي للمجتمعات العربية.

 

فهل شعُرتَ من قبل بمشاعر الغربة والوحدة في مكان فيه حشد كبير من الناس؟ وتملكك شعور أنه يجب عليك المغادرة فوراً من هذا المكان الذي لا يُشعٍرك بالراحة، وتشعر بالضيق أو بتشويش في الأفكار والإرتباك من تواجدك في مثل هذا المكان.

فمن المحتمل أن هناك نوعية من الناس تتواجد في هذا المكان ممن يتخذون النظرة التشاؤمية منهجاً لهم في حياتهم ويتصرفون وفقاً له، ولذلك فدائمو فرض الجوانب السلبية للأشخاص والأمور.

في أحيان كثيرة نسأل أنفسنا كيف يرانا الآخرون؟ وهل ما يرونه بالفعل هو ما يعكس طبيعتنا الإنسانية؟ أم يرون ما يريدون رؤيته عنا؟ فكيف نعطي صورة أفضل عن أنفسنا تعكس رغبتنا فيما نريد أن يعرفه الأخرون عنا، وليس بناء صورة تعكس اعتقاداتهم الداخلية؟

قال الله تعالى:” فلعرفتهم بسيماهُم، ولتعرٍفنهم في لحن القول” سورة محمد- آية 30

كما نرى الآخرين، هم يروننا، وما نشعر به تجاه أنفسنا هو ما يتم التعبير عنه خارجنا ويراه الآخرون منا من خلال تعاملاتنا معهم، وسلوكياتنا في المواقف المشتركة بيننا وبينهم.

فهناك العديد من المواقف الحياتية التي نتعامل من خلالها مع الناس، وبغض النظر عن طبيعة الموقف، ولكن طريقة التعبير عن أنفسنا تظهر في سلوكياتنا أمامهم، فيتشكل لديهم الإنطباع الأول تجاهنا، وهو ما يُحدد طرق تعاملاتهم معنا، أو يتخذوا قراراً بعدم التعامل معنا، بل وتجاهلنا تماماً.

يتشكل الإنطباع الأول سواء لدينا تجاه الآخرون، أو ما يتكون لدى الآخرين تجاهنا في أول ثلاثة دقائق تقريباً، وهناك إحصائيات تذكر أنه في أول 30 ثانية ، وما يحدث بعد ذلك يُدّعم الإنطباع الذي تم تشكيله سابقاً، ويتشكل هذا الإنطباع وفق صندوق الفرد الداخلي المملوء بإعتقاداته وعاداته وتصوراته عن نفسه وعن الآخرين، وهو ما يتم اختزاله في عقلنا اللاواعي ونتصرف على أساس ما يُخبرنا به داخلياً تجاه أنفسنا أو تجاه الآخرين، فالإنطباع عملية داخلية تحدث في العقل أولاً، ثم تتبلور إلى آراء غير مُعلنة عن الشخص، وتصبح هذه الآراء راسخة ومتعمقة في اللاواعي، وتتحول إلى تقييم وتقدير، وتترجم إلى سلوك في العالم الخارجي.

 

**سمات إيجابية لترك إنطباع أول مميز لدى الآخرين**

الإنطباع السيكولوجي الذي نتركه في نفوس وعقول الآخرين، هو ما نُعبّر به عن شخصياتنا، وليس انطباعاً نتركه مُعتمداً على مظهرنا الجسدي، ولكن طريقة تفاعلنا معهم، هى ما تُعزز تواجدنا وحضورنا في أي مكان، وتبدو راضياً عن نفسك وتزداد ثقتك واعتزازك بها.

وهذا الإنطباع ينطبق علينا كما ينطبق على الآخرين، لأننا أحياناً نخطئ في تقدير وفهم الناس كما يخطئون هم، فإذا أردنا ترك إنطباعات جيدة إيجابية في نفوسهم، علينا أن نبدأ خطوتنا الأولى إليهم، لأن ترك إنطباع جيد أولي فهو بمثابة المعلومات المبدئية عن الشخص، وهو أكثر أهمية من المعلومات التالية عنه، ويُعتبر فكرة راسخة ويتم على أساسها اتخاذ القرار بشأن طبيعة الشخصية، وبناء التوقعات للسلوك في المستقبل، وهى تحتاج الكثير من الجهد إذا كانت سيئة لتغييرها.

من المحتمل أنك تقابل شخصاً خجولاً بطبعه، ولكن داخلك تعتقد أنه شخص لا يهتم بالآخرين، وبذلك يتم تشكيل الإنطباع الأول لديك عنه، أو تلتقي بشخص يتحدث كثيراً وتظن بينك وبين نفسك أنه شخص أناني يحب التحدث عن ذاته كثيراَ، أو شخص يتسم بالجدية وتعتقد أنه متعالياً في تعاملاته، ولذلك فعلينا ألا نصدر أحكاماً متسرعة عن الآخرين ونمنحهم الفرصة للتعبير عن أنفسهم وملاحظة سلوكهم وتحركاتهم وتعبيرات وجوههم، قبل أخذ إنطباع عنهم وتدعيمه داخل عقولنا، كي يمنحونا الفرصة للتعبير عن أنفسنا لفهمنا جيداً، وبذلك نخلق المناطق المشتركة بيننا وبينهم لمعرفة بعضنا البعض.

ومن أهم السمات الحضور والجاذبية  والإبتسامة فهم مفاتيح للدخول إلى عقول وقلوب الآخرين، لأن إبتسامتك وتفاؤلك نوريسطع في المكان، وكأنك تحمل معك الخير أينما ذهبت، فكلما امتلكت سمات الكاريزما والحضور والإيجابية والتعاطف والإبتسامة، تملكت قلوب الناس، لأنك تمثل لهم مصدراً لقوة الدافعية والتحفيز.

قال صلى الله عليه وسلم :” اطلبوا الحوائج عندَ حِسان الوجوه”

(وجاء قي فيض القدير شرح الجامع الصغيرللعلامة المناوي، رقم 1107 “اطلبوا الخير عندَ حِسان الوجوه) ”

 

“كن كشعاع الشمس إيجابياً ومتفائلاً ومبتسماً، واحذرمن الإستخفاف بأحد، لأنهم سينفضون من حولك”

 

*يعتبر التقدير للشخص أيضاً من أهم السمات التي يجب عليك امتلاكها لترك إنطباعات رائعة ومميزة لدى الآخرين، أظهر التقدير والإحترام للآخر لتشعِرهُ بأهميته وقيمته، وبذلك تُعزز من ثقته واعتزازه بنفسه، وتساعده على اكتشاف نفسه وقدراته الداخلية، ويتكون لديه رابطاً ذهنياً يربط ما بين تواجدك وبين حالته المعنوية المرتفعة.

*اذكرالصفات الإيجابية للشخص الآخر بوجه مبتسم وبصدق وقوة في المشاعر لما تقول، فكلٌ منا لديه نقاط قوة إيجابية ونقاط ضعف سلبية، ركز على صفات القوة والإيجابية للآخر، فالمجاملة الرائعة الصادقة تمنح الدفء في العلاقات، وتبث الحماس داخل الشخص والشغف للتواجد معك وقتاً أطول.

وكلما أشبعت حاجة الآخرين من احترام وتقدير وقبولهم كما هم، منحوك نفس الاحتياجات، وبذلك تزداد قوة وتأثير، فالعلاقات مع الآخرين تقود إلى القوة، وليس ما أقصده هنا حجم تلك العلاقات، ولكن نوعيتها وجودتها.

*أوجد المناطق المشتركة فيما بينكما، واسعى لمعرفة ما يهم الشخص الآخر للتحدث عنه، تحدث عما يثير شغفه من أجل التواصل بينكما، فمشاركة الآخرين فيما يشغل أولويات اهتماماتهم، يمنحك مكاناً ذو قيمة داخل عقولهم وقلوبهم.

*احرص دائماً على إضافة معلوماتك وخبراتك أو تجاربك أينما ذهبت، فتحفز استماعهم إليك ولفت انتباههم لأنك تضيف إليهم، وتعزز معلوماتهم وخبراتهم مما يجعلك شخصاً مرغوباً به ومميزاً في حضورك، لأنك تضيف إليهم ما يحتاجون لمعرفته.

هذه هى السمات الإيجابية أو الكاريزما الشخصية الخاصة بك، لترك إنطباعات رائعة إيجابية لدى الآخرين أينما ذهبت أو تحدثت معهم.