كيف تصلون إلى قلوب أبنائكم؟ .. بقلم منى الناغي

كيف تصلون إلى قلوب أبنائكم؟ .. بقلم منى الناغي
منى الناغي

 

منى الناغي
منى الناغي

بسم الله الرحمن الرحيم

“ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين لنا واجعلنا للمتقين إماماَ” سورة الفرقان- آية 74

“كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته”

 

**افهموا طبيعة أبناءكم**

ماذا يريدون؟ وبماذا يهتمون؟ ما الذي يثير رضاهم؟ وما الذي ينفرهم من البيت؟ ما الأسلوب الذي يسبب لهم الغضب أو التوتر والقلق؟ ما الحديث الذي يكرهه؟ وما المشاعر التي تحفزه وتثير اهتمامه؟

“احتضنوا أبناءكم ولا تقصِموُا ظهورَهم”

يمر الإنسان في حياته بمراحل عمرية مختلفة، ومن أهمها مرحلة المراهقة التي يمر بها الأبناء، فهى مرحلة الانتقال من مرحلة الطفولة اللامسؤولة إلى مرحلة النضج وإثبات الذات وتكوين الشخصية المستقلة.

يحدث في فترة المراهقة  العديد من التغييرات الجسدية والفكرية والإجتماعية والإنفعالية، وتغيرات في الشخصية ذاتها، هى فترة من العمر مضطربة الأحاسيس والمشاعر، وتتصارع فيها مشاعر الاحتياج للوالدين لدى الأبناء مع وجوب الاستقلالية عنهما، فهى فترة تحتاج إلى الفهم العميق والتعاطف الشديد.

تشير العديد من الدراسات العلمية إلى العلاقة القوية بين تغير الهرمونات والانفعالات لدى الأبناء، مما يؤثر على الحالة المزاجية لديهم، وزيادة حدة الانفعال ومشاعر الإكتئاب وحدة الطباع، وحالات الغضب المتكررة، وبشكل عام يسلك سلوكاً مزعجاً لدى أبويه، مما يخالجُه شعور أنه مختلف عن والديه، وأنه لا يراهما في وضع المثالية، فيبدأ تمرده ويُعلن عن رفضه لنصائحهما أو وصايتهما عليه، التي يعتبرها بمثابة أوامر له، وهو بالطبع يرفض مثل هذا الأسلوب في ضوء هذه التغيرات التي تصاحب نموه ونضجه.

وتتمثل التغيرات الفكرية التي تصاحب هذه الفترة للأبناء، في حدة الصراعات بين الآباء والأبناء والحالة المزاجية المتقلبة، والتناقض الداخلي للقناعات الشخصية لديه، لأنه يحاول جاهداً بناء هويته وإثبات ذاته، وإن كان في بعض الأحيان يفعل ما هو متعارض مع عاداته وتقاليده التي نشأ عليها واستقاها من بيئته المحيطة به، وذلك للفت الانتباه له وتوقع لردود أفعال لدى والديه، تمنحه الفرصة للتعبير عن رفضه وتمرده للنصيحة، فهذه مرحلة ينظر فيها المراهق داخله، ويسأل: من أنا؟ وما هى قناعاتي التي يجب أن أؤمن بها؟ واعتقاداتي.. وخبراتي، كيف أكّون أسس ومعايير لإتخاذ القرارات الصحيحة؟

وأيضاً هناك التغيرات النفسية التي تساهم في زيادة حدة الانفعالات فيما بين الآباء والأبناء، كالغضب والصوت المرتفع وأيضاً رفض الوصاية عليه، ومحاولة فرض آراؤه وإن كانت مخالفة لعادات وتقاليد الأبوين والمجتمع، ولا تلبي رغبة الوالدين الشخصية، وهنا يحدث الصراع الثقافي بين جيلين مختلفين فكرياً ونفسياً وثقافياً.

وفي بعض الحالات نجد العديد من الآباء والأمهات يفقدوا السيطرة التامة على ابناءهم، نتيجة للصدامات المستمرة وعدم فهمهم لتلك الفترة من حياة ابناءهم، وكيفية استيعابهم واحتضانهم، ويفقدون الأمل في إعادتهم إليهما مرة أخرى، وهنا نشير أنه أكبر خطأ يقع فيه الأبوين، الاعتقاد أنهما يبتعدا عن ابنهما ليتجنبا الصدام معه، لأن بهذا السلوك يثبت لديه عدم قيمته وأهميته لديهما، ويشعر بالإغتراب عن الجو العائلي، وأنه لا وجود له فتزداد حدة الصراع والتمرد والعزلة والاكتئاب، وزيادة للتصرفات الإستفزازية نتيجة للتفكير السطحي له، لأنه في مرحلة النمو والنضوج العقلي والعاطفي.

وأحياناً ينتهج الأبن منهج الإنطوائية ويبدأ في الإنسجاب تدريجياً من العالم الإجتماعي الذي يتعايش داخله، ويبني لنفسه قلعته الخاصة به، وتشمل أصدقاؤه ممن يستطيعون فهمه وعدم نبذه بعيداً عنهم، وهنا يكمن الخطر الحقيقي إذا تفهمَ ذلك الآباء، وأيضاً يؤدي إلى أعراض نفسية للابن وفقدان لثقته بنفسه وبمن حوله.

ونلاحظ  أن نهاية هذه الفترة الحرجة من عمر الإنسان، تتشكل الهوية الشخصية له، ويبدأ في إحداث التوازنات بينه وبين والديه والمجتمع من حوله، وفلترة العديد من الأفكار والاعتقادات والأصدقاء، والقدرة على الاختيار بصورة أفضل.

ما الذي يجب على الوالدين عمله مع ابنهما المراهق؟

هو لديه احتياجات يجب عليهما تلبيتها، فإذا لبُيت له تم الحفاظ على خيط التواصل فيما بينكم، وتم تقوية رابط الثقة والود بينه وبين والديه.

انطلقوا معهم من أرضية مشتركة بينكم وبينهم، كي تبنوا جسور الحب والعطف والأمان لهم.

**ما هى الحاجات النفسية لهذه الفترة الحرجة من العمر؟**

يحتاج الشاب / الشابة في هذه الفترة إلى الشعور بالأمان والقبول والتقدير، يحتاج إلى الإحتواء بكل ما فيه من أخطاء أو سلبيات دون توجيه اللوم والعتاب المستمر الجارح والمهين له.

* التقبل والتعاطف اللا محدود / فهو يحتاج إلى مشاعر الحب والعطف الغير مشروط، يحتاج إلى تفهم مشاعره واحترام أفكاره، وعدم السخرية والإستهزاء من نفسه أو من أصدقائه، لأنهم من اختياره، فيشعر بحساسية الاتهام لخطأه في الاختيار، فيزداد في الابتعاد والعزلة.

*الإستيعاب التام وتقدير مشاعره/ الحرص على ذكر إيجابياته ومواطن قوته وصفاته الجيدة، ابحثوا عنها داخلهم، واذكروها بالخير واثنوا عليها وقدموا لهم المدح ، وتجنبوا الإشارة إلى سلبياته أو اختياراته أو قراراته الخاطئة، وعدم معاقبته على الأخطاء بأسلوب يهين كرامته ويزعزع من ثقته بنفسه.

* إجراء الحوارات معه والإستماع لوجهة نظره/ يحتاج الشاب /الشابة في مثل هذه السن إلى الفهم والعطف، والتقدير بإشراكه في بعض الأمور الخاصة بالأسرة، وعدم التقليل من شأنه، وإظهار الاهتمام بما يقول وبما يشعر وعدم الإستخفاف بمشاعره مهما كانت سطحية، كي لا ندفعه إلى الإنعزال في بوتقته الخاصة ليعيش عالمه الذي يشعره بما يحتاج إليه.

* ترسيخ معاني القيم والرضا والقناعة/ إمدادهم بشعاع الأمل والإيجابية للقضاء على شعور القلق لديهم، فما يتلقوه من الأبوين، يمنحه المخزون داخلهم ليتعاملوا به مع أنفسهم ومع الآخرين ممن حولهم وفي مجتمعهم.

* محاولة إكسابهم مهارات ورياضات/ تساعدهم على مواجهة تحديات الحياة، بدلاً من ترسيخ اللوم والشكوى وقلة الحيلة، والتعليل والأعذار التي يساهموا كثيراً في بناء جدار عزلتهم خوفاً وقلقاً مما يواجههم في الخارج.

**عوامل تساعد الآباء على تجاوز هذه المرحلة بأمان**

1 – التربية على أسس العقيدة والنزعات الدينية، وفق ديانته.

2 – الصحبة الصالحة لهم ومصاحبتهم والتقرب منهم ومن أصدقائهم، مهما بدا لكم الإعتراض على بعضهم.

3 – منحهم الاهتمام والحب والمشاركة لهم في ما يهمهم ويشعرهم بالمتعة والشغف، واحذورا من حرمانهم العاطفي كعقاب لهم.

4 – الحرص على شغل أوقاتهم بالرياضة لبناء أجسامهم وعقولهم وتوازن الحالة المزاجية وتهدئة الاضطرابات العاطفية والشحنات الانفعالية.

5 – فتح قنوات الحوار معهم، وإجادة الإنصات لهم، بكل جوارحك وعقلك ومشاركته عاطفياً ومجاراته في انفعالاته وأحاسيسه، خصصوا لهم وقتاً لمشاركتهم مشاعرهم وما يريدون التعبير عنه.

6 – أظهروا مشاعر الفخر والثقة بهم، واستغلوا كل موقف لذكر سلوك له بالخير وسمة له تميزه، وتجنب توجيه النقد الجارح لهم، كي لا يشعروا بالتهديد النفسي المستمر.

 

 

 

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *