«كنيسة مارجرجس»: جدران حاملة للأماني والمعجزات.. وتاريخ يحكي مآسي للديانة

«كنيسة مارجرجس»: جدران حاملة للأماني والمعجزات.. وتاريخ يحكي مآسي للديانة
كنيسة مارجرجس
كنيسة مارجرجس
كنيسة مارجرجس

مستيقظة من نومها على فرحة تغمر قلبها.. نشاط وحيوية تملئ روحها حاملة لجسدها دون إرهاق من شئ.. إذ بتخيلات في عقلها تُرسلها إلى مكان من أجمل ما خلق ربي.. مكان لم يُعرف فيه الاضطهاد والتفرقة بالأديان.. مكان مُجمعًا للأديان السماوية الثلاث‏,‏ وكأن الله قد أراد أن يؤكد لشعب مصر وحدته الوطنية عبر العصور المختلفة‏.

التقت قدميها برصيف محطة ماري جرجس، حيث يوجد المعجزات، إذ بنسمة هواء نقية من الأكاذيب مقبعة بالتاريخ القديم تحملها بفكرها إلى ما خلف جدران المترو، جعلت بداخلها سعادة ونقاء روح ليس لها مثيل تتساءل في ذاتها ماذا سأجد هناك؟.. تلتفت من حولها لم تجد شئ من المعالم ظاهرة يزداد شوقها في كل وقت.

في لقاء بلا حواجز.. خارجة من خلف جدران المترو واقفة أمامها إذ هي بساحرة الأنظار تحمل معها معالم الديانة المسيحية مع نسمة هواء مُقدسة تُسيطر على الزائرين.. أنها كنيسة مارجرجس.. منظر جعل منها إنسانة مُشوقة لما في داخلها.. إنسانة تحمل العديد من الأسئلة عن هذا المكان كيف هو مُلتقى الأديان.

كنيسة الشهيد مارجرجس.. فارس على جواد حافظة بداخلها معالم وتاريخ الرومان، تخطوا بخطوات مُسرعة تجاه الكنيسة داخلة من البوابة التي يجلس عليها سيدة في الستين من عمرها ذات وجه منكمش يُرسم عليه بسمة أمل في الحياة، يظهر عليه عشرتها للمكان تحمل معها تاريخه وذكرياته المُفرحة والحزينة.. تاركة السيدة إذ بسلالم ضخمة أمامها من الصخور البيضاء مُتدرجة وكأنها مرسومة بريشة فنان.

سافرت بأفكارها مع حديث المرشد السياحي لجروب الرحلة عن تاريخ الكنيسة.. قيدت فضولها في رؤية الكنيسة بداخلها وانتظرت لسماع تاريخ الديانة المسيحية وما بها من ظلم وقهر لها منذ قرون مضت.

وكانت حينها المعلومة الأولى التي عرفتها إنها كنيسة من أجمل كنائس الحصن الروماني، شيدها الكاتب الثري أثناسيوس عام 684 ميلادية، ولكنها لسوء الحظ التهمتها النيران منذ حوالي ثمانين سنة، ولم يبق منها سوى قاعة استقبال بخارجها تعرف «بقاعة العرسان» يرجع تاريخها إلى القرن الرابع عشر.

شُيدت مرة أخرى وقاموا بترميمها منذ قريب.. سامعة للتاريخ دون شعور بتعب قدمها من كثرة الوقوف لأنها تعيش كل كلمة تُقال حينها.. في ذكر المرشد قولًا يهدف إلى أن مصر تم احتلالها من قِبل الفرس، الروم، الإنجليز وعدد من الشعوب الكثيرة إذ بشاب في العشرين من عمره يُلقي بجملة قائلًا: «المصريين كمان احتلوها».. انتشرت حينها موجة من الضحك مُردد البعض «كده هيتقبض علينا».

مُستكمل حديثه عن تاريخ العائلة المُقدسة في حالة من التركيز وسط جروب سياحي.. ظل يطرح الأسئلة وسط ضحك على إعطائه ربع جنيه بدلًا من جنيه على الإجابة الصحيحة قائلًا: «الجنيه كان زمان».. ضحك الكثيرون ومن ثم عاشوا حالة من الحزن والتأثر على ما عانه المسيحيون في تاريخهم، حيث كانوا يُعذبون بالمسرح الروماني بواسطة الأسود والنمور التي تُقطع جلودهم أمام الجماهير وسط تمتع الآخرين برؤية هذا.

300 عام ظلوا على هذا الحال منع عنهم حقوقهم في التعليم.. حُرمت عليهم ممارسة ديانتهم المسيحية، أجبروهم على إنكار السيد المسيح وإلا عذبوهم أمام الجميع.

تخطو قدمها مُسرعة تجاه السلالم الأثرية، مع أول سُلمة لمست تاريخًا عظيم بالمسيحية شعرت بشوقها يزداد في كل حين.. وجدتُ أمامها فارس مُمتطي جواده في يده رُمح يحارب التنين.. أنه الشهيد مارجرجس مُحارب الشر في زمانه.. فيما يُقال بأن قصة مارجرجس مُقتبسة من الديانة المصرية القديمة، حيث حورس على مركبه حاملًا رمحه بيده يقتل التمساح، هذه صورة ترمز لقتال الشر بالبلاد.

تتسارع قدماها أكثر وأكثر لرؤية ما بداخل الكنيسة واحدة في وجهها، جرس الكنيسة تحت الصليب الكبير تركته وهي مُتعجبة من ضخامته الرائعة، ودخلت إلى صالة الكنيسة.. روح طاهرة تملئ المكان.. راحة خالية من أفكار بالوجدان.. سارحة بخيالها إلى عظمة الإبداع.

وجدتُ أقدامها تقودها إلى صور على الجدران.. صور مُزخرفة بالإيمان تحمل معها كثير من الغفران.. لافتة نظرها نجفة مُعلقة في أعلاها وكأنها نجوم تلمع في السماوات.. إذ بكهف تحت الكنيسة.. به سجن يُعتقد أنه كان لحبس المسيحيين الأوائل وتعذيبهم.. كهف تحمل جدرانه كثير من الآهات لدى المسيحيون.. دموع الآسى والظلم مطبوعة على أرضه.

عن عجلة ذات مسامير تُسمى بعجلة كاترين.. طُرحت أسئلتها في ذلك الحين ما هي هذه العجلة، إذ بإجابة من مُرشد الرحلة إنها القديسة كاترين.. قديسة بالأسكندرية مُعتنقة المسيحية ولكن بصدق من قلبها وروحها مما جعلها تتحمل أي عذاب يُطبق عليها لكي تتنازل عن دينها.. لم يستطيعوا تغيير رأيها لذا صُنع لها خصيصًا هذه الألة لتعذيبها.. حيث جعلوها تسير على جسدها بما فيها من مسامير.. كاترين.. يُقال أن جسمانها نقلته الملائكة لجبل في سيناء وهو «جبل سانت كاترين».

صور على الجدران.. إذ هي بشئ مهم جدًا للفن المسيحي هي صور الرهبان والقديسيين وأهمهم مارجرجس بالديانة المسيحية.. وعن سؤال هل هي أشكالهم الحقيقية مُجيب علينا المُرشد ليس من الممكن أن أجيبكم عليه.. لكن يُقال أنها أشكالهم الحقيقية أي من الممكن تكون هي، ولكن خاضعة لعملية التجميل التي كان يستخدمها المصريين القدماء.

«شكرًا مارجرجس لأني شفيت من المرض».. «شكرًا مارجرجس لأني نجحت بالماجستير».. ذهبت بعينيها لبرقيات شُكر مُعلقة في كل مكان.. فيها دعوة برحمة الشهيد مارجرجس وشُكره على ما فعله من شفاء لهم وتحقيق أمانيهم.. حيث يُعتقد أن مارجرجس عنده قدرة لشفاء الأمراض لذا هنالك أُناس تأتي لشفائهم من الأمراض والسحر.

جعلت من ذاتها إنسانة مليئة بالأماني.. أخذتها قدمها تجاه الشموع.. وضعت جزء من المال بالصندوق ساحبة بيدها شمعة الأماني.. تذهب تجاه الشموع شاعلة لها وهي تتمنى أمنيتها حالمة في تحقيقها مع كثير من الفرحة والأمل.. واضعة لها بجانب الكثير من الأماني التائهة وسط الغيوم المنتظرة دورها في تحقيقها.

تاركة الكنيسة مع فرحة تملئ قلبها بمعرفة تاريخ جديد.. مُحدثة ذاتها نختلف أحيانًا ولكن دائمًا ما توجد نقطة التقاء.. فأبواب الاختلاف أحيانًا تفتح لترى خلفها غيومًا من التعصب والعنصرية، وأخرى قد تفتح على شمس مشرقة تُنير لك أنت ومن تختلف معه جسرًا، يقودكما معًا مجمع الأديان.. تلك البقعة الروحانية التي تذوب على أعتابها جميع الاختلافات.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *