شهاب الخشاب يكتب «الفهامة 77».. «تأثير الواقع»


 

إيه قصة الشتا؟ بعيدًا عن البرد والمطر، الشتا بيفكّرني بأغنية كان بيغنّيهالي محمد منير في التسعينيات، وصوته المغروش طالع من كاسيت قديم في العربية السيتروين الفضي اللي كانت بتاخدني فيها أمي للحضانة وأنا بعيّط وبرفّص. ماقدرش أفتكر لو كان صوت منير بيفرق في راحتي، وإنما الأغنية فضلت زي الحلق في ودني، وهو بيغنّي: "بعد ما أدّى وبعد ما خد// بعد هد وبنى واحتد// شد لحاف الشتا من البرد// بعد ما لف وبعد ما دار// بعد ما هدي وبعد ما ثار// بعد ما داب واشتاق واحتار// حط الدبلة وحط الساعة// حط سجايره والولاعة// علّق حلمه على الشماعة».

الأغنية دي عنوانها «الشتا»، وممكن نأوّلها بأكثر من طريقة. ممكن نعتبر إن الأغنية عن العَجَز والموت مثلاً، وإن البني آدم اللي أدّي وخد وهد وبنى واحتد بقى عايز يشد اللحاف فوق جسمه من إحساسه ببرد الموت القادم. ممكن نتخيّل إن الأغنية عن مأساة العمال في مصر، واللي شغّال ليل نهار بيبقى عايز يشد اللحاف على نفسه ويرتاح بعد ما لف وبعد ما دار. ومن بعد ثورة 25 يناير ممكن نأوّل الأغنية تأويل ثوري، ونقول إن الشعب اللي كان هادي وثار قرر يعلّق حلمه على الشماعة.

التأويلات دي واردة من الحاجات اللي بتحصل وبتتوصف. مع إن المعاني الممكنة متعددة بحكم إن الفاعل الرئيسي مش واضح – هل هو مفهوم أو شخص أو حالة تاريخية؟ – مافيش شك إننا لازم نأوّل سطور كثيرة في الأغنية عشان نفهم مضمونها. مع ذلك، فيه سطور مالهاش معنى واضح: "حط الدبلة وحط الساعة // حط سجايره والولاعة"… يعني إيه؟ ممكن نفسّر الجمل دي حسب تأويلنا العام للأغنية، باعتبارها مجازات بتأكد على الاستسلام للموت مثلاً أو التعب من كثر الشغل أو معاداة الثورة، بس مافيش معنى ذاتي واضح للسطرين دول. وإنما لو تبعنا تعبير الكاتب والناقد الفرنسي رولان بارت، نقدر نعتبر إن السطرين بيدّوا "تأثير الواقع".

في مقال بنفس العنوان، بارت كان عايز يشرح معنى الفقرات اللي تبدو وكأنها مالهاش معنى في الكتابات الأدبية، وخاصةً في الكتابات السردية والروائية. وقت ما نشر مقاله في أواخر الستينيات، بارت كان بيطوّر نظرية بنيوية عشان يحلل معنى القصص (يعني إيه قصص؟). في النظرية دي، كل القصص بلا استثناء – سواء كانت روايات أو قصص قصيرة أو شعر أو أغاني أو حكايات شعبية – عبارة عن مجموعة علامات لها معاني ووظائف سردية واضحة، يا إما عشان بتحدد اللي بيحصل في القصة أو بتحدد وصف الشخصيات اللي بتحرّكها.

بارت أدرك إن بعيدًا عن بناء القصص، فيه تفاصيل في الكتابة الأدبية مابيبقاش لها معاني بنيوية واضحة. فمثلاً في كتابات الواقعية الفرنساوية في القرن التاسع عشر، اللي ممكن نشبّهها بكتابات نجيب محفوظ في العالم العربي، فيه تفاصيل كثيرة جوة الكتابة مابتخدمش أي وظيفة في القصة ولا في الوصف، وإنما أهميتها الرئيسية إنها بتعبّر عن حالة واقعية بتخللي القارئ يحس بالواقع ده. حسب بارت، تأثير الواقع شبه تأثير البلاغة في التراث اليوناني الروماني الكلاسيكي، اللي نقدر نعتبره شبه التراث العربي الإسلامي في السياق ده. المهم في كلام أجدادنا اليونانيين أو الرومان أو العرب ماكانش دايمًا المضمون في حد ذاته، وإنما جمال الكلام اللي كانوا بيقولوه. بنفس المنطق، هدف تأثير الواقع مالوش علاقة بمضمون القصة، وإنما بجذب القارئ لجمالها اليومي البسيط.

تأثير الواقع مالوش علاقة بالواقع اللي إحنا عايشينه طبعًا، لأن في الآخر القصص محبوكة في كتابة مؤلف عنده نظرة وحدود معيّنة، بما في ذلك الحدود التاريخية اللي هتخلليه يوصف زمن معيّن غير أي.

زمن ثاني. وإنما الأهم من كل ده هو التأثير اللي بيديه الكاتب، اللي مش شرط يكون عايز يبهر القارئ ببلاغته، وإنما عايز يجذبه للواقع الدافئ الحميم اللي بيحسسه وكأنه جزء من القصة بجد. بالتالي التفاصيل اللي جوة أغنية "الشتا" مالهاش معنى في بناء مضمونها، وإنما الكلام البسيط عن الدبلة والساعة والسجاير والولاعة بيدّي تأثير الواقع اليومي، ولو ماكانش بيدفّي روحي وأنا رايح الحضانة، بقى بيفكّرني بالشتا التسعيناتي في القاهرة.



-اقراء الخبر من المصدرشهاب الخشاب يكتب «الفهامة 77».. «تأثير الواقع»