شهاب الخشاب يكتب: الفهامة «56».. صناعة الثقافة

إيه أحسن مسلسل السنة دي؟ المناقشات دايرة في البيوت وعلى القهاوي، وكل واحد بيتابع اللي داخل في مزاجه، واللي مش متابع بيتفرج من بعيد لبعيد مع أهله وأصحابه، واللي مابيتفرجش على الأقل شاف الإعلانات اللي مالية الشوارع والطرق والكباري. كل واحد عنده رأي غير الثاني، وكل واحد حاسس إن المسلسل الفلاني أحسن من العلاني. إنما كل واحد لازم يبقى له رأي، وده دليل على وجود صناعة ضخمة مالية الساحة وماحدش يقدر ينفي قوتها، وهي صناعة الثقافة حسب الفلاسفة الألمان تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر.

في كتاب عنوانه “جدل التنوير”، أدورنو وهوركهايمر كانوا بيفسّروا فشل النظم الليبرالية الأوروبية في مواجهة صعود الفاشية والنازية قبل الحرب العالمية الثانية. النظم دي كانت بتدعي الاستنارة والحكمة والإخلاص للديمقراطية الدستورية، استناداً على تيار فلسفي قوي راجع للقرن الثامن عشر ومعروف بتيار “التنوير”. التنويريين الأوروبيين كانوا شايفين إن العقل البشري هو اللي هيحل مشاكل البشرية، وإن أعقل نظام سياسي هو الديمقراطية الدستورية، وطبعاً النظام ده فشل في الواقع بما إنه سمح بصعود أسوأ الحكومات في تاريخ أوروبا، وماكانش فيه نفر عاقل يقدر يوقف الحكومات دي.

في تحليل أدورنو وهوركهايمر، صناعة الثقافة من علامات الفشل الواضحة للنظام الليبرالي. إذا افترضنا أن الثقافة هدفها إن الإنسان العاقل يعرف يتحرر، يبقى صناعة الثقافة بتمنع تحرره، لإن الصناعة دي بتحوّل مادة إنسانية مميزة ومتنوعة إلى منتجات ثقافية معروضة للبيع والشراء، بالضبط زي ما ماكدونالدز وبرجر كنج بيحولوا الغذاء الآدمي إلى وجبات مجهزة. هدف صناعة الثقافة، زي أي صناعة رأسمالية، هو تراكم رأس المال. بس عكس الصناعات الثانية، دايرة رأس المال جوه الصناعة مش كافية عشان تشيل الليلة، وعشان كده المنتجين الكبار في صناعة المسلسلات والإعلانات والأفلام عندهم نشاطات اقتصادية ثانية بيصرفوا منها على المنتجات الثقافية.

في حالة المسلسلات الرمضانية، المنتجين بيشغّلوا فلوسهم طوال السنة عشان يبيعوا مسلسلاتهم للقنوات التليفزيونية، والقنوات بتشتغل وتبيع مساحة عرض للإعلانات، والإعلانات بتبيع خدماتها للشركات الكبرى، والشركات الكبرى بتحاول توصل للمستهلكين عن طريق الإعلانات، والمستهلكين قاعدين قدام شاشاتهم عشان يتفرجوا وينبسطوا، ومن فرجتهم وانبساطهم فلوس المنتجين والقنوات والإعلانات بتدور لحد الموسم اللي بعده. نوع الثقافة الموحد المجهز ده مش مجرد نتيجة تكنولوجيا معينة، إنما نتيجة دايرة اقتصادية ضخمة هدفها بيع المسلسلات زي ما ماكدونالدز بيبيع الساندوتشات.

في الآخر، صناعة الثقافة بتحجّم اختيار المتفرج في إطار محدود، رغم إن الإطار ده يبدو واسع ومفتوح. زي ما ماكدونالدز بيقدم اختيار بين وجبات هامبرجر وفراخ وسمك، المتفرج عنده اختيار بين مسلسل عادل إمام ومسلسل غادة عبد الرازق ومسلسل محمد رمضان، بس مش شرط يفكر في المنظومة الاقتصادية اللي بتنتج مسلسلات مجهزة زيها زي الوجبات المجهزة.

بحكم وجود منظومة بتحاول تجذب المتفرج للشاشة، المُنتَج الثقافي نفسه بيتحول لنوع من الإعلان. إحساس الواحد بإن المسلسلات الرمضانية عبارة عن سلسلة إعلانات بتقطعها شوية مشاهد درامية بيزيد لما نلاحظ إن المسلسلات نفسها شبه الإعلانات، من ناحية النجوم اللي بتتمنظر والصورة اللي بتلمع والتقطيعات اللي بتزيد بسبب ومن غير سبب. والتشابه ده جاي من إن نفس الصُناع اللي بيشتغلوا في المسلسلات الكبيرة بيشتغلوا برضه في الإعلانات الكبيرة.

طبعا الوصف ده مابيشرحش ليه المتفرجين بيستمتعوا بالبرامج اللي بيختاروها ولا بيوضّح الفروق بين النشاطات الاقتصادية المتعددة اللي ممكن نجمعها تحت عنوان “صناعة الثقافة”، زي مثلاً صناعة الكتب والمزيكا والمسرح. إنما أهمية أدورنو وهوركهايمر إنهم ربطوا بين الثقافة الجماهيرية والصناعة الرأسمالية، اللي بتدوّر الفلوس والإعلانات والمنتجات الثقافية المتشابهة في نفس الدايرة، وبالتالي بتنتج ثقافة موحدة وجاهزة تتاخد تيك أواي. عكس التصور المحافظ اللي بيدعي إن الثقافة ماتت مع ظهور رأس المال ووسائل الإعلام الجديدة، أدورنو وهوركهايمر بينبهونا إن الثقافة موجودة وحية، بس إنتاجها بقى بين إيدين شركات إنتاج مالهاش علاقة بتحرير البشرية، إنما بشراء انتباه المتفرج.

وده درس لازم ناخده في الثقافة وفي السياسة، لأن اللي بيحاول يبيع لك فكرة إنك حر حتى لو ماكنتش بتتمتع بالحرية في الآخر برضه بيّاع.

-اقراء الخبر من المصدرشهاب الخشاب يكتب: الفهامة «56».. صناعة الثقافة