زي الشتاء 3.. بقلم ميادة محمد

زي الشتاء 3.. بقلم ميادة محمد
4254

قضت ليلها في انتظار ذلك الصباح الذي لا يأتي، رحل واعدًا إياها بالرجوع، كانت على موعد معه عند طلوع الشمس، قررت أن يكون يومًا جديدًا تودع فيه خلافها معه، أن تبدأ من جديد، وأن يكون له في لقاءها مفاجأة، لعل التغيير يؤثر في حياتهم معًا.

إنها الثامنة صباحًا، حينما قررت النهوض من نومٍ لم تنامه من الأساس، نظرت في مراّتها طويلًا، حتى قررت أن تمحي اّثار التعب والإرهاق، تود أن يراها جميلة، بل أجمل مما مضى.. وأخذت هاتفها مُتصلة به.

– صباح الخير
– صباح النور.. هعدي عليكي الساعة 4 خلينا
– ماشي

أغلقت هاتفها وقررت أن تقضي الساعات القادمة في تغيير كل شيء بمنزلها، وحتى شكلها، أحضرت له كعكة الفراولة التي يُحبها، ورتبت كلامها، كانت تحفظ الكلمات وكأنها طفلة في السادسة وستلقيه على مُعلمها في المدرسة، تُكرر الكلمة قبل ارتداء ملابسها وبعدها، وتعيد الحوار قبل وضعها أحمر الشفاه وبعده.. جُنت هي.

نظرت إلى ساعتها التي دقت الرابعة، تعلم أن أجراس منزلها ستدق، فهو مُنتظم بمواعيده التي استطاع أن يفي بها معها، لتنتفض من مكانها مُسرعة نحو الباب الذي أعلن مجيئه.

– متأخرتش!
– مع إن في حاجات كتير متأخرة
– فلسفة دي؟
– لأ، بس حقايق
– هتقوليلي النهاردة كل الحقايق دي؟
– متستعجلش

جلسا سويًا على الطاولة التي كانت بأكملها من صنع يدها، وأهداها باقة من الورد الأحمر، يعلم هو أنها لا تحب الحُمرة في الورد، وأنها تفضل عليه الورد الأبيض والبنفسج، استغربت تصرفه لكنها ابتلعته في صمت، كانت تشعر بأنه يُخبأ لها شيء جديد.

– عجبك الكيك؟
– كان هيبقى أحلى لو بالشيكولاته
– بس أنت مش بتحبها!!
– أهو تغيير يعني
– بقلق أنا من تغيراتك دي

ساد صمتًا غريب بينهم، حتى كسرت هي ذلك الصمت..

– ليه جبت ورد أحمر؟
– معجبكيش؟
– عجبني لإنه منك، لكن أنت عارف إني مش بحب الورد الأحمر، وعارف أنه مش المفضل بالنسبالي
– أهو تغيير
– تغيير.. تغيير.. أنت جاي تغير كل حاجة النهاردة؟
– أنا لأول مرة أحس إني معنديش حاجة أقولهالك
– كنت حاسة
– حاسة بأيه؟
– بالي أنت عاوز تقوله من أول ما جيت وبتخبيه، صدقني أنا تعبتلك.. تقدر تسبني، بس مترجعش تاني، مش كل مرة ترجع لحد ما خلتني غصب عني في بُعدك بستناك.
– ليه وصلتيها لكدة؟
– أنا أكتر حد يحس بيك، أنا أكتر حد يعرف جواك أية!، إمتى أنت عاوزني بجد وإمتى بتبقى معايا لمجرد إن دي رغبتي أنا، وإمتى بتكون حتى رغبتي مش قادر تنفذها وبتبعد خالص، أنت لحد دلوقتي مش عارف إني فاهمة كل دة؟.. اّه أنا عندي كلام وحاجات كتير مش بقولها ولا بوجعك بيها، لكن أنت مبتقدرش تستمر لفترة طويلة على حاجة، أنا بوحشك بس وأنا بعيدة، لكن وأنا معاك طول الوقت مش حاسس.

تغيرت ملامح وجهه وأشعل سيجارته، واتجه نحو الشرفة، كانت نظراته غريبة عجيبه، لا ينطق، لا يُفسر حتى ما يشعر به، فالحقيقة ليس لديه ما يقول، هو يعلم أنها على حق، فالحب أنواع، وهو حبه ذلك النوع العطرى الذي يطير عندما تُفتح له زجاجة العطر، في كل مرة يستخدمه تطير منه قطرة، حتى ينفذ، في الحقيقة هو لم يحبها الحب الأبدي، إنه رجل غريب الأطوار، يحتاج فالحب أن يتألم قلبه، وهذا لا يحدث معها إلا في بُعدها، يشعر وكأن عصفورته خرجت من أقفاص قلبه، فيحاول استعادتها.

ليكن هُنا غبائها، الذي يدفعها للرجوع إلى مثل هذا القفص مرات ومرات، يُفضل هو على حبها غيابًا طويلًا، كي يكسر بداخله شعور الاحتياج إليها على الاطلاق، كي يخرج من مأزق حبها، هو رجل يُدرك أن في حبه ضعف، فيقتل قلبه كي لا يكون من الضعفاء.

– قوليلي أية اللي يريحك
– عاوز تعرف فعلا أية اللي ممكن يريحني وهتنفذه؟
– اّه
– إنك تبعد وتسبني، تسبني خالص.. لإنك عمرك ما هتبقى معايا على طول، أنت عمرك ما اختارتني، أنا رغبة بالامتلاك جواك مش أكتر، أنا غيرك، أنا بحب بجد.. الحب اللي أنت متعرفهوش، أنا بحلم بيك كل يوم، بحلم ببيتنا، وأولادنا، بحلم بحياتنا، بختار أسامي ولادنا، بتخيل نفسي معاك ومعانا طفل صغير، بتخيل إزاي هنحتفل بعيد جوازنا سوا كل سنة، وهنعمل أية في أعياد ميلاد ولادنا، بتخيل يومنا هيعدي إزاي.. بفكر في تفاصيل كتير ممكن متخطرش على بالك!! ولا هتتخيلها، أصل أنا يوم ما حبيتك، حبيت علاقتي بيك كاملة، لكن أنت حبيت تفاصيل معينة.

كان ينظر إليها من خلف دخان سيجارته، الذي تكاثر، فهو يُشعل واحدة بالأخرى، حتى اقتربت منه، ضمته إليها بشدة، كأنها تخبره أنها الأخيرة.. ثم ابتعدت عنه فجأة وكأنما أحرقتها نيران سجائره، فالحقيقة هي أحرقت قلبها ليس أكثر.

– أنا فحياتي اختارت حاجات كتير، ربنا قدرلي اني اختار دراستي، وحياتي، صحابي، شغلي، عمري ما عملت حاجة ومكنتش من اختياري، إلا أنت!، الحاجة الوحيدة اللي عمري ما اختارتها هي أنت، أنا مش فاكرة حبيتك ليه وإزاي وإمتى؟، ولا عارفة حتى هبطل أحبك إمتى!، لكن عندي يقين ديمًا إن علاقتي بيك وحبي ليك هو أكبر ذنب في حياتي، ذنب مخترتوش، أنت جيت في حياتي بإرادتك، بس هتبقى برة حياتي بإرادتي واختياري المرة دي.

جلست ببطىء على إحدى كراسي الطاولة، تنظر إلى البيت التي رتبته، والكعك الذي أحضرته، كانت تُحضر كعكة الوداع، لو كانت تدري لكانت كتبت عليها كذالك، ولونتها باللون الأحمر، ذلك اللون الذي لا تُحبه في أي شيء، وها هو قد أهداها وردًا منه، كانت مُستائة إلى أبعد الحدود، لا تعرف لما هو صامت؟، وماذا بعد صمته؟.

كانت سيجارته الأخيرة التي أنهت كل شيء، أشعل سيجارته وأطفئها في قلبها، نظر إليها نظرة حيرة، مُتجهًا نحو الباب، فستوقفته..!

– ممكن تاخد الورد معاك؟
– ليه؟
– أنت غلطان المرة دي، أنت مجبتهوش عشاني، يمكن جبته لواحدة تانية، اّسفة، المرة دي أنت غلطان في العنوان، تقدر ترجعه لمحل الورد، قولهم ملقتهاش.
– متقوليش كلام ترجعي تندمي عليه

ضحكت ضحكة عالية، كانت هي المفاجأة له، أخذت تمشي في طرقة منزلها وتضحك.. تضحك، تتعالى ضحكاتها ويزداد معها صمته..

– أندم؟، قولتلي أندم؟.. تفتكر هندم على أية تاني؟، أول مرة فعلا ميبقاش عندي كلام وعتاب أقوله، أنا قولت كل اللي عندي في سنين، أنا مبقاش عندي حاجة أقولها، أنت خدت كل حاجة، قولي أنت سبتلي فالاخر أية؟.. عارف أنا عندي مشكلة كبيرة دلوقتي فعلا..!، أنا عيوني اتبرمجت على إنها متشوفش غيرك، أو يمكن قلبي هو اللي مش قادر يحب غيرك، تقريبًا أنا عايشة بيك أنت وبس، أنا صعب أبدأ تاني.
– وأية أكتر حاجة فيا تخليكي تحبيني كل الحب دة؟
– أكتر حاجة بحبها فيك هي حبي ليك، متسألنيش إزاي! بس دي الحقيقة، أنا عمياء عن أي حاجة غير إني بحبك، صماء عن كل كلام ميكونش أنت اللي بتقوله، رافضة أي إحساس مش جاي من طرفك أنت.. أنا أتخلقت في الدنيا دي عشان بس أحبك أنت.. ودي الأزمة الحقيقية اللي تخليني فعلا صعب أبدأ تاني، هحب تاني إزاي وأنا قلبي مش ملكي؟، أنت دمرت كل حاجة، حتى لو جالي اللي ممكن يعوضني، مش هيلاقي حتة سليمة في قلبي يبدأ بيها من جديد.. بس يلا مش مشكلة، أنا أساسًا مش عاوزة أحب تاني، أنا تعبت فعلا.

خرج وخرجت معه الروح مُصطحبه القلب والحياة، أغلق الباب وراءه، فجلست في حالة استسلام، نظرت في المراّة، وابتسمت بعمق، وأخذت تتحدث إلى نفسها بجنون، أخذت تنظف عينيها من ذلك السواد الذي خلفته لها أدوات الزينة، وتنظر إلى نفسها في المراّة وتضحك، تضحك، تضحك!

نحن لا نضحك أحيانًا بشدة إلا إذا كنا حقًا موجوعين، فبعض الضحكات ما هي إلا رواسب للألم بداخلنا تخرج في شكل ابتسامات هيستيرية، فيُخرج الشخص كل أوجاعه في تلك اللحظات، ربما لا نعرف وقتها ما الشيء المُضحك فالموضوع، لكنها أقرب وسيلة لستهلاك الطاقة التي كتمت على أنفاسنا بالحزن والاحباط.

ونختلف نحن فيما بيننا من شخص لاّخر، بعضنا إذا تعرض لصدمه انهمرت دموعة واستخرج وجعه في البُكاء، لكن الأقسى والأشد وجعًا، هي تلك التي تخرج في ضحكات، أما بعد الانتهاء من حالة الضحك هذه، يدخل الفرد في حالة أخرى، ربما لا نستطع وصفها في سطور، لكن أترك لخيالكم العنان فيما يحدث لها ذلك الوقت، وما انفجر داخلها من بُركان.

أصبحت العلاقات في وقتنا هذا «زي الشتاء»، قاسية باردة، لا تأتي إلا فصل واحد فالعام، لا تنفع معها مدفئة صناعية، تحتاج كي تشعر بالدفء إلى أن تحرق أعواد من الأخشاب تُشعل بها نيران قلبك، كي تشعر بالقليل منه، لتطفئه برودة الحب بعد لحظات، فإما مُشاركة من الطرفين، أو سيظل أحدهم يشتعل وينطفىء في اليوم لمرات، في ظل غياب عاطفي من الطرف الاّخر.

 لقراءة الجزء الثاني من هنا

لقراءة الجزء الاول من هنا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات