زي الشتاء 2.. بقلم ميادة محمد

زي الشتاء 2.. بقلم ميادة محمد
u8gbmvczh4h4w7dw015

في جلسة دافئة جمعتهم بليلة مثل هذه، بدأت هي العام الجديد تحت دفء ذراعيه، مُتناسيه كل شيء أتعبها من قبل، استرخت بين ذراعيه ليثير هو غضبها وعبوثها الذي لطالما أحب أن يراه فيها..

– وكنتي بتعملي أيه في غيابي؟
– كنت بحاول أنساك
– برافو.. أتطورتي جدًا بقيتي بتحاولي، طب ووصلتي لأيه؟
– كفايا شرف المُحاولة
– عنيدة!
– مغرور
– غبية
– أناني
– غيورة
– مُتسلط
قاطع كلامها حينما سحب يدها خلف ظهرها مُتدانيًا منها وقال..
– إحنا ملناش خلاص من بعض، اللي بينا مبينتهيش ولا هينتهي، انتِ بتاعتي وكل حاجة فيكي تخصني.. لكن الحقيقة المُرة إننا عمرنا ما هنبطل نضايق بعض، ولا عارفين نمشي في طريق واحد.. عشان في غيرتنا ملزّة، في خصامنا اشتياق، وفي رجوعنا بعد الخصام بقى قصة تانية خالص بنحسها بس متتوصفش.
– بس أنا تعبت وأنت بعيد، كل ده مش محسوب عندك؟
– لسه متعودتيش على طبيعة علاقتنا بعد السنين دي كلها؟ جرالك ايه؟
– مش عارفة جرالي ايه، ولا حتى عارفة مالي!
– أتغيرتي؟
– الفكرة مش فكرة تغيير!.. الفكرة إنك بتتعـود على شخص وتتعلق بيه أوي، وفجأة يختفي ويسيبك.. هنا بقى بتكون مضطر تعود نفسك وتقولها كل يوم إنه «مـش راجع».. ولما يوحشك الشخص ده تأكد على نفسك وتفكرها «مش راجع».. لحد ما توصل لمرحلة فيها إلحاح داخلي من قلبك وسخط رهيب منك على عقلك وتبدأ تحاول تعود نفسك وتقولها إن «اللي جاي هيبقى من غيره»، ويضغط قلبك عليك أكتر.. ويبدأ يكرهك في عقلك وفالتفكير كله، وعقلك يرد عليه ويقوله «أنا مليش ذنب أنا بفكرك بس».
– خلينا ننسى منضيعش الوقت في العتاب
– وانت؟
– أنا معاكي دلوقتي، ودة كفاية

«وأنا كالطفلة في يده، كالريشة تحملها النسمات، يهديني شمسًا، يهديني صيفًا، يُخبرني أني تُحفته وأساوي ألاف النجمات»، هكذا تغنت السيدة ماجدة الرومي وأخبرتهم أنها تضفي إلى ليلهما لمسات ناعمة، ولحظات عطره.

– أنا بحب الأغنية دي أوي
– عارف، عشان كدة شغلتها

سحب يدها بهدوء مُنحني أمام عينيها، تلك التي أخذت ترمق كل كبيرة وصغيرة به وكأنها لأول مرة تراه، وضع يدها في راحة يده راقصًا بها..
– بس أنا مش بعرف أرقص
– مش مهم.. عيشي اللحظة وبس
– هتسيبني تاني؟
– على حسب الظروف
– مش بهزر! كلمني بجد
– ولا مرة بعدنا فيها أنا سبتك، مش شرط نبقى بنتكلم عشان أفتكرك، مش شرط أبقى موجود قدامك عشان تتأكدي إني بحبك
– أنا نفسي أعيش كل لحظة حلوة معاك
– وأنا تقريبًا مش بعرف أعيش من غيرك.. عارفة! في العالم التاني لما الناس كلها تتبدل ويحيينا ربنا من جديد، حاسس إني هنسى كل الناس وقتها وأفتكرك انتِ، ولو قدامي فرصة للاختيار وقتها هختار أكمل برضو بيكي انتِ.. أعتقد إني حتى لو ربنا أرادلي دخول الجنة.. مش هفرح فيها إلا بيكي.
– نفسي أصدقك وأنا مطمنة
– وإنتي مش مصدقاني ليه؟
– خلينا نغير الموضوع
– ليه بتهربي من الكلام؟
– هو مش هروب أكتر منه خوف
– خايفة إني أبعد بعد نهاية المناقشة؟
– لأ، خايفة أكرهك!.. عارف، طول فترة علاقتنا أنا كنت بتجنب الوقوف عند نقط معينة والكلام في حاجات ممكن تكون أخرتها إني أبطل أحبك، أصل مش مهم عندي لو بعد المناقشة أنت بعدت وسبتني، المهم عندي إني أنا أفضل بحبك.. أو بمعنى أصح أفضل أحب حبي ليك، فاختارت من الأول إني اتجنب الحاجات دي.
– ما يمكن لو كرهتيني ترتاحي.
– إحنا بنحب عشان نبني أحلام وخيالات جميلة في ذهننا، وهي دي اللي هتبقى معايا في عمري اللي جاي وهتبقى ذكرياتي الحلوة لو أنت بعدت وسبتني.. وبتشويهي ليك وكرهي لحبنا أبقى بشوّه الذكريات اللي هتفضل معايا طول حياتي قدام.. وأنا عاوزة لما أقعد أشرب قهوتي الصبح وأقرأ رواية قدام شباكي أفتكر إني عشت أيام حلوة مفيهاش كره.
– وايه هي الحاجات اللي عمرك ما قولتيها وخايفة منها؟
– حاجات كتير صعب أشرحهالك بالتفصيل أنا بس حساها.. زي مثلاً فكرة بُعدك وقربك من غير أي اهتمام لمشاعري أنا، زي إن علاقتنا عبارة عن مسرح عرايس بتحرك فيه أنت أحاسيسي بطرف الخيط اللي ماسكه في ايدك، زي مثلاً إنك ولا مرة فكرت تدي شكل رسمي لعلاقتنا ونرتبط بجد، زي إحساسي إنك عاوزني كشيء مُكمل في حياتك جنب الحاجات الأساسية التانية لكن مش أنا الأساس، زي إنك ممكن تنهي اللي بيني وبينك بكلمة، زي إنك عمرك ما فكرت تقولي حتى سبب ليه أنا لأ!.. ليه دايمًا بنفشل؟، ليه خايف من إننا نعيش مع بعض على طول؟، ليه حاطط الفشل هو الطريق اللي هتمشي فيه؟، ليه متريحنيش وترتاح!.
– من خاف سلم
– إلا فالحب.. الخوف والجبن بيدمروا العلاقات مش بيحافظوا عليها يا جلال، وانت مش هتتوجع بجد إلا لو لقيتني بقيت لواحد تاني غيرك، ومش عاوز تجنبني ولا تجنب نفسك اللحظة دي.
– تشربي قهوة؟
– نعملها سوا..

كان الصمت هنا مفتاحًا لإنهاء حوار مرير مثل هذا، لن تحصل هي على إجابة منه، فهو دومًا ما أحب أن يحتفظ بمثل هذه الأسرار بينه وبين نفسه، لا يود هو الاعتراف بخوفه من حبها.. قرر أن يغلق موضوع الحب بفنجان القهوة.

– قولي يا جلال أنت حبيت كام مرة قبل ما نتقابل؟
– مش فاكر..
– يـاه دول كانوا كتير بقى!
– اها
– طيب وهتحب من بعدي؟
– مش عارف، حسب الظروف
– أنا مش بهزر.. إجابتك تهمني
– وانتِ إيه اللي مخليكي متأكدة إننا هنسيب بعض وهحب تاني يعني؟
– عشان أنا بحبك أوي وبريئة في حبي ليك أوي، لكن أنت خبيث أوي، وكل حاجة عندك سهلة أوي.. أنت متعودتش تبقى على حاجة، فاكر يوم ما بعت القطة بتاعتك اللي كانت بقالها 10 سنين معاك؟
– اّه فاكر
– يومها أنا اتأكدت إنك قريب هتبيعني.. لإن القطة دي كانت عشرة عمرك ومكنتش بتقدر تقعد من غيرها وفجأة قررت تبيعها لواحد صحابك، مهمكش ساعتها الحزن اللي كان في عينها وأنت سايبها.
– بتقارني نفسك بالقطة؟
– اها.. لإن اللي بيبيع دة بيبيع كل حاجة، يومها اتأكدت إنك هتسبني ورغم ذلك أنا لسه معاك ومسبتكش
– ليه مستنية أسيبك أنا الأول؟
– لأ.. لإني بحبك فهسيب كل حاجة للظروف.

أعدا قهوتهما وجلسا سويًا في شرفة منزلها التي أوشكت على الاقتراب من السحاب، فقد كانت في دورها الثالث عشر، عالية هي كصحبتها التي دومًا ما أحبت أن تعلو عن الأشياء، مُطلة على النيل يملؤها الهواء، تجلس هي دومًا فيها تتأمل كيف يعيش الحب رغمًا عن الجميع، ورغم كل الطعنات التي تصيبه، وكيف لأحد أن يحب لدرجة نسيان كل شيء إلا الحبيب، وكيف لقلبها هذا أن يُسامحه رغم كثرة خذلانه، في تلك الجلسة التي دومًا ما تجلسها منفردة تحاور نفسها وتسأل عن كل هذه الأشياء، إلا أن تلك المرة جلست معه، سارحة شاردة لا تقل له شيء، تبتلع رشفات قهوتها بصعوبة واختناق من هذا الصمت، تود لو أن يكسر هو هذا الصمت ولو بكلمة!

– عجبتك القهوة؟
– طول عمري مبعرفش أشربها صح إلا من إيدك
– أومال مقولتليش ليه؟
– أقول أيه؟
– إنها عجبتك
– ما أنت عارف من غير ما أقول، مش لازم أقولك الحاجة اللي أنت عارفها أصلا
– مش يمكن بحب أسمعها؟
– مش يمكن أنا نفسي تسألني؟
– مشكلتنا ديمًا إن كل واحد مستني التاني يبدأ
– بس أنت الراجل.. البداية لازم تكون من عندك
– مشكلة الكلمة دي قوية أوي على فكرة.. عارفة ليه؟
– ليه؟
– لإن الراجل مش زي ما أنتوا فاهمين ديمًا قادر يبدأ.. بل بالعكس أوقات كتير بيكون مستني بداية اللي قدامه عشان يكمل وراه، زي ما انتِ بتحسي بحاجات ونفسك إني أعملها من غير ما تطلبيها، أنا بقى نفسي أسمعك وانتِ بتطلبيها، نفسي أحس برغبتك وإلحاحك الشديد عليها، عشان وأنا بعملها أحس إني بعملها بدافع طلبك وحبك مش لمجرد إني فكرت أعملها.. أوقات كتير بيفتكروا إن كلمة بحبك هي مُباردة رجولية باحتة، لكن في الحقيقة الراجل دة بشر ومشاعر وأحاسيس زي الست بالظبط، بيبقى عاوز يسمعها ويحسها لأول مرة من اللي قدامه، وتقف عند سماعها حواسه تقريبًا، ويفقد تركيزه وانتباهه ويطلب يسمعها تاني، لحد ما يصدق إن اللي واقفة قدامه قالتها فعلا ونطقت، الموضوع مش راجل وست، الموضوع مشاعر متلخبطة، ومحدش فينا قادر يفهم احتياج كل طرف لمبادرة الطرف التاني بيها الأول.
– وليه أنت مش بتفتكر الكلام ده وانت سايبني لوحدي؟
– مش في الأخر برجعلك؟
– يا سلام!.. وتعبي؟ ووجعي؟.. ليه دايمًا عندك اعتقاد إن كل ده هينتهي أول ما ترجعلي، ليه مش قادر تقتنع إن كتر البُعد والمشاكل بيخلق بينا فجوة غريبة، أنت ديمًا شايف إني هبقى كويسة بعد يومين تلاتة، هنسى في وسط صحابي، شغلي، حياتي.. لكن أنت مش متخيل كام مرة أنا بتوجع، كام ضحكة كذابة في غيابك، وكام مرة ابتسمت عشان أداري وجعي، كام خروجة حرمت نفسي منها عشان عارفة إني مش هستمتع وأنا مش معاك، كام مكان رفضت أروحه تاني عشان هبقى تايهة ومش شايفة غيرك هناك قدامي، كام يوم نمت معيطة وموجوعة، كام مرة ارتبكت في وسط كلامي عشان بس افتكرتك، كام مرة عيني دمعت قدام الناس لما سألوني عنك، كام مرة حسيت إني مقهورة من جوايا على حاجات حلوة بتعدي قدامي كان أولى نعيشها مع بعض، ليه مش مستوعب إن أقرب الناس ليا حتى من صحابي بيسألوني عن حياتي وعنك مبقتش برد عليهم، معنديش ليهم إجابة، رفضت الكلام في الموضوع دة مع كل الناس، خايفة بعد كل دة حد بس يقولي كلمة «أنسيه دة ميستاهلش»، ولا مرة قبلت كلمة عليك، الكلمة عليك توجعني أكتر من وجعي منك، لو مكنتش محتاجة اشرحلك كل دة كنت أختصرتلك إحساسي بكلمة واحدة، إني كنت عايشة «مأساة».

نظر في ساعته مُعلنًا عن غضبه من انقضاء الوقت سريعًا، رفع وجهه ونظر إليها في صمتٍ تام، لم يقل شيئًا، واضعًا فنجان القهوة الفارغ على المنضدة، وهي تتأمل حركاته البطيئة وصمته القاتل.

– الوقت اتأخر وأنا لازم أمشي
– ملحقناش!
– الوقت جري بسرعة، بس أول ما تصحي هكلمك
– انا عاوزة أول ما أصحى أشوفك
– طيب زعلانة ليه؟
– عشان هتمشي
– منا لازم أمشي
– مش بعد ما رجعت
– مش همشي خالص دنا راجع تاني ومش هتأخر

كانت تود إخباره أنها لا تصدقه، رحيله هو أصدق شيء به، فبقاء مثل هذه الرجل دومًا كاذب، في رحيله غموض ولطالما أحب هو أن يكون غامض، حبست دموعها بين أحداقها، كانت تُثابر حتى لا تدمع عينيها أمامه، هي مُدركه أن بعد رحيله ستدخل في حالة من الانهيار، كانت تود أن تبقى قوية لدقائق، وما أن اتجه للذهاب حتى نادته مُسرعة نحو الباب..

– جلال!
– أيوه
– أوعدني إنك راجع المرة دي بجد

فضّل على رده احتضانها بقوة.. وهنا ضحكت عليها دموعها وانهارت في البُكاء.

 الجزء الثالث

لقراءة الجزء الأول زي الشتاء 1

 

 

 

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *