زي الشتاء.. بقلم ميادة محمد

زي الشتاء.. بقلم ميادة محمد
US-ART-RAIN ROOM-MOMA

في ليلةٍ حالكة الظلام.. استندت على الحائط المقابل لشباك غرفتها، تتلصص المارة من بعيد، شاردة هي في الحقيقة لا تنظر إليهم، إنما تبحث فيهم عن شيءٍ لرجل لم تعد تملك منه سوى بقايا كلِمات محفورة في الذاكرة، لا يمحوها مرور الوقت، ولا يقترب منها النسيان.

مازالت كلماته الأخيرة تتردد على مسامعها..
– أنت خلاص هتمشي؟
– مضطر ..
– مضطر ليـه؟ نفسي فـ مرة تديني إجـابة واضحـة لكل أسألتي يمكن أرتاح.
– لو عرفتي مش هترتاحي..
– ليه ديمًا تقيم الشيء من منظروك أنت؟ ما يمكن أرتاح يا أخي!
– الباب اللي وراه نار الأفضل منفتحوش، لو فتحناه هنتحرق.
– ما أنت هتمشي وأنا هعيش طول عمري أفكر!
– هتنسي.. الوجع مبيفضلش طول العمر.
– بس أنا مش عاوزة أتوجع!
– يا بنت الناس وجع ساعة ولا كل ساعة، وأنا مش هستحمل أشوفك بتتوجعي كل ساعة!
– طب بلاش يبقى بإيدك أنت!
– لو لينا نصيب هنرجع..
– وأنا هستناك.. أنا هفضل أصلي كل ساعة.. وكل دقيقة، هدعي ربنا في كل مطرة وكل سجدة.. هصوم يوم ليا ويوم لرجوعك.. هصلي فرض ربنا وأصلي ركعتين عشان أطلبك منه.. هدعي دعوة ليا ودعوة ليك.. مش هروح أي مكان روحناه سـوا من غيرك.. مش هـاكل آيس كريم وأجري تحت المطر، مش هقطف الورد من الجناين هسيبه يكبر لحد ما ترجع، مش هسهر بعد 12 وأنا مش بكلمك، مش هسمع أغاني فيروز ومش هحتفل بعيد ميلادي، أقولك حـاجة!.. أنـا أصـلا مش هعيش.. لكن هحاول أتعايش عشان بس استناك.

خرج وأغلق وراءه الباب وكأنه أغلق على أقفاص صدرها، تلك التي أصبحت تلتقط أنفاسها ببطىء مُتكأة على حائطها الذي سيواسيها أيامها المقبلة، أخذت تنظر إلى الباب لساعات عله يعود!، وحينما أدركت صعوبة العودة مسحت دموعها وغسلت وجهها وبدأت مراسم العزاء.

كانت ليلة مريرة بكل الطرق، قضت ليلتها تتذكر أحاديثهم العاطفية والسياسية والعقلية، فما من شيء إلا وتحدثا فيه سويًا.

كان الشتاء هو فصل الحب عندهم، تستخدم الناس المدفئة كي يتخلصون من برودة أجسامهم، وتستخدم هي قلبه كي تدفىء قلبها.. ذات يوم قرر أن يصنع لها القهوة بيده في الصباح، استيقظت على صوت حركة في الخارج ذهبت كي ترى ماذا يفعل..

– ممم هشرب القهوة من إيدك النهاردة؟
– أهو مرة.. بس متتعوديش على كده
– ياريت تفضل أنت أول حاجة أشوفها في يومي كل يوم
– مش هتزهقي؟
– أنت عارف إن أنت جرعة الأكسجين اللي بخدها يوميًا عشان أعيش؟
– يـااه أنتي يتبالغي أوي..
– هو عيب أبالغ في حبك؟
– لا مش عيب بس خلينا واقعيين شوية
– أنت عارف إني لو واقعية مكنتش حبيتك أبدًا؟
– ليه بقى إن شاء الله؟
– لإن لو فكرت بالعقل هلاقي إن نسبة نجاح علاقتنا 1.% و99.9 % فشل، يبقى لو بصيت لعقلي وسمعت كلامه هنسيب بعض.. المشكلة إني معاك أنا بفكر بس بقلبي، مبعرفش أفكر بعقلي وكأنك إبني.. أنت عارف إن الأم مع ولادها بتفكر بقلبها مش بعقلها؟.
– مهو عشان كدة في ولاد كتير بيضيعوا
– طب منا ضايعة فـ حبك أهـو..

خرجت من شرودها هذا حينما أخذت تتخبط قطرات المطر على زجاج نافذتها، قررت أن تصنع لنفسها فنجان من القهوة، يرضي حاجتها الجسدية من الكافيين، وحاجتها القلبية من الحنين.. أعدت القهوة ثم رفعتها على النار وأخذتها الرائحة إلى حيث لا تدري.. شعرت بالبرد فذهبت إلى غرفتها كي تجلب معطفها وهنا الحظ السيء.. فقط هي سرحت!.

– أنت عارف إن الشتاء بيفكرني بيك؟
– ليه بقى يا ستي؟
– عشان على قد ما بحب برده على قد ما بتعب فيه
– لأ انتي بس مناعتك ضعيفة حبتين
– ده أنا تقريبًا فاقدة كل المناعة معاك، أنا أكتشفت إني معنديش فعلا أي مناعة تقاوم فيروسات حبك عشان كدة بتعب بسرعة.

أفاقتها رائحة القهوة التي ملئت المكان، ضاع وجه قهوتها فقالت «خير»، هي فالحقيقة لا تعرف أين الخير، ربما الخير كان في ابتعادها عنه، لكن قلبها يرى الخير والحب بقربه.

تذكرت ذلك اليوم حين تبعثرت منها حبات العقد الذي كان قد اشتراه لها..
– زعلانة ليه؟
– العقد اتقطع مني
– يا ستي فداكي هجبلك غيره
– بس انا كنت بحب دة أوي، بيفكرني بيوم جميل
– أنهي يوم؟
– يوم ما جبتهولي
– مش فاكر
– مهو عشان كدة اتقطع
– يعني أية؟
– اتقطع عشان أنساه زي ما أنت نسيت يوم ما جبتهولي.

أحست برعشة برد تعتري جسدها المنهك وهي تتذكر حوارهما، فالحب هو ذلك المرض الذي يصيب أجسامنا حسب فصوله العاطفية، ولأن حبها شتوي فقد كان دومًا يُمطر على قلبها بالسعادة كما تُمطر السماء على الأرض كُلما اشتاقت لها، باعثة لها مع كل قطرة رسائل دافئة تمكث عليها حتى موعدها مع الشتاء القادم.

إنها الحادية عشر قبل منصف الليل، أوشكت السنة على الانتهاء، تخاذلت أحلامها الرقيقة وأمانيها بقضاء تلك الليلة معه، تبعثر كل هذا خلف نافذة الذكريات تذكرت ذلك الحديث في مثل هذا اليوم عامها السابق، حينما تركت له ورقة تحمل كلمات قليلة «عانقني فقد بدأ العام الجديد».

– كل سنة وأنتي معايا
– قصدك تقول كل سنة وأنا معاكي
– هتفرق؟
– أكيد، لإني أنا عاوزة أبقى معاك على طول.. لكن أنت مُتقلب الله أعلم هنبقى فين من بعض السنة الجاية
– مش هتشوفي جبتلك هدية أية؟

هي لا تنسى كلماته.. أخذها النوم من كثرة التفكير، واستفاقت من شرودها على يدٍ وضعت على كتفها بهدوء..

– هتنامي قبل ما أقولك كل سنة وأنتي معايا؟
– قولتلك تقول كل سنة وأنا معاكي

تسارعت الدموع من عينيها بالنزول، وألتفت ذراعيه حول خصرها، ضمها إليه بشدة، ووضعت هي يدها حول عنقه.. كادت أن تخنقه من شدة العناق، لكنها توحشته كثيرًا. تقول الرواية «أحببتك أكثر مما ينبغي»، ويقول قلبها «سأحبك دومًا كما ينبغي».

– كنت هبدأ إزاي السنة الجديدة من غيرك؟
– وحشتيني
– أنت الراحة والتعب في نفس الوقت، أنت أغرب حاجة وأحلى حاجة في حياتي، أنت الحاجة اللي لا ببدأ بيها ولا بنتهي ليها، أنت الأقرب والأبعد في نفس الوقت..
– أنا نفسي أرتاح
– راحتك معايا
– عارف.. عشان كدة إنتي أول حد برجعله في كل حاجة
– طب وفين راحتي أنا؟
عانقها بشدة، كانت ضمته كفيلة بأن تجيب على سؤالها، هو يعلم أن لا سبيل لراحتها إلا بين ذراعيه اللذان يبتلعاها، فتكاد لا تظهر من بين أحضانه.

– خايفة وأنا معاكي؟
– أنا عمري ما كنت خايفة زي دلوقتي
– ليه؟
– عشان مش هتفضل على طول

الجزء الثاني 

الجزء الثالث

 

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *