«رسالة» كل ما بعثه «محمد سلطان»  لتقوية أبيه

 

أبي.. اتلامس كفيك الحنون ها أن اصبحت جسدة لا حولا لي ولا قوة، فقدت قوتى في حمايتك. بل أراك تزول أنت أيضًا أمام عيناي من دون جدوى. فقرارًا واحد أحال بك إلى الأخرة.. قرارًا أماتنا أحياء. فيا أهلي، يا أقرب ما ليا أروي لكم شوقي وحنيني الذي لايعبر عنه حبر العالم أكمله وطيات ورقاته.

فيا أمي الغالية الحبيبة/ أسماء، إخوتي هناء ووليد وخالد وحماس وعمر وبشرى.. الأحباء، أولادي وأولاد إخوتي أمين وإلياس ولينة.. الأعزاء.

هناك لحظات مفصلية في حياة كل منا تغير فيه شيئًا ما، يتفاعل معها العقل تارة، والجسد تارة، والروح تارة أخرى، ولكن نادرًا ما تمر لحظات يتفاعل معها الثلاثة في آنٍ واحد، تفقد الكلمات معانيها في التعبير عنها. كان أمس واحدة من هذه اللحظات الفريدة من نوعها،

لا أظنها ستتكرر في حياتي. لم نسمع القرار حين صدر، فانتظرنا من الضابط معرفته في صمت وذهول. وعندما جاء الخبر والتقت عيناي بعيني أبي، كانت تلك اللحظة! كنت قد أعددت نفسي مسبقًا لسماع أي حكم أو قرار، مهما تمادى في ظلمه لنا جميعا.

كنت قد وعدت نفسي أن أكون مصدر قوة وثبات لكل من حولي، وجهزت بعض الكلمات، بدأت فعلًا في تبادلها مع بعض الإخوة المحالين. ولكن عندما نظرت في عيني والدي لم أتمالك إلا أن أرمي نفسي في حضنه. لم يكن القرار السبب، وإنما تلك النظرة الراضية تمامًا المتوكلة على الله والمسلّمة أمرها كله له.

كانت تلك الابتسامة البشوش المخلصة، تنظر في وجه الخوف والموت بكل ثقة، أن الشهادة على أعتاب الأقصى هي الوعد الموعود. كانت لحظة صامتة. ولم تكن بداية لكلمات، فنظراته خاطبت عقلي، وبسمته مشاعري، واحتضانه بدني. كانت لحظة كافية وافية، أدركت فيها فعلا من هو صلاح الدين سلطان!

والدي.. الشيخ الجليل، العالم الرباني، القائد المجاهد، الأب الحنون، الزوج الكريم، الأخ الأصيل، الصديق الوفي. ذلك الأسد الذي لا يخاف إلا مِن مَن خلق الموت والحياة. جسدت تلك اللحظة أسمى المعاني، أن يطمئن الإنسان أنه ليس له من الأمر شيء، ويستسلم لإرادة العليم الحكيم الرؤوف الحليم، وأن الأمر كله بيده هو فقط، وأن قمة الحرية للمخلوقات تأتي في قمة العبودية للخالق.

شعرت وتعلمت ذلك والكثير في تلك اللحظات الصامتة، حتى همس أبي في أذني: «لقد بعنا أنفسنا لله يا بني، يفعل بها ما يشاء بدون سؤال» فرددت عليه بما استطعت من كلمات: نعم البيع يا أبي، ونعم من اشترى!.

تلك أجواء أمس، التي رفعت من المعنويات، وزودت الإيمانيات، وثبتت الإرادة، مستبشرة بالفرج القريب بإذن رب الأرض والسماوات. وأيضا لتعلموا من هو أبوكم، ولتتعلموا منه وتفتخروا به دومًا، وتطمئنوا عليه، فهو مستودَع عند الحافظ الأمين الذي لا تضيع عنده الودائع، مسلّم أمره كله لله.

أستودعكم رب المستضعفين وربنا، القائل للمظلوم، ردا على دعوته«وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين».