تأرجح القيم الإنسانية بين التغييرات المجتمعية.. بقلم منى الناغي

تأرجح القيم الإنسانية بين التغييرات المجتمعية.. بقلم منى الناغي
منى الناغي
منى الناغي
منى الناغي

يعتبر الإنسان هو محور الكون والحياة، وهو الأساس لكل تنمية بشرية، فتنمية الإنسان عملية مستمرة، تتعثر أحياناً وتنمو وتتطور أحيانا أخرى.

ولقد كرّم الله سبحانه وتعالى بني آدم بنعمة العقل والتفكير على سائر مخلوقاته، لنستطيع التمييز بين الخير والشر، الحق والباطل، الإيجابي والسلبي، وأودع الله عزوجل في الإنسان الطاقات الهائلة لينير بها الحياة ويُعمر بها الأرض، ويفيض من نور طاقاتهِ على سائر البشر، ولكي تتوهج تلك الطاقات الإلهية فلابد من إحاطتها بالقيم الإنسانية وخاصة الأخلاقية منها والروحية السامية، وإلا هلكَ البشر وعاشوا في شقاء دائم.

وتعتبر القيم الإنسانية هى المعايير والمنهجية التي تعمل على توجيه الفرد في حياته، وتحكم عقله ونمط تفكيره ووجهات نظره التي يتبناها وميوله وسلوكه، فكل فعل يقوم به الفرد يُمَثل قيمة داخله يُحققها، ولا يخلو أي فعل من دافع معين وهدف يسعى الفرد لتحقيقه.

ولقد اهتم العديد من الفلاسفة بدراسة القيم الإنسانية، والتي تعتبر من أهم المحددات للسلوك البشري، وكيف يتم اكتسابها؟ وكيف تتشكل شخصية الفرد؟ وكانت نتائج دراساتهم أن القيم الإنسانية يتم اكتسابها من العقيدة والبيئة والخصائص النفسية والإجتماعية للفرد، فهى تمثل مجموعة الإعتقادات التي تشمل المقومات الأساسية التي تنطلق منها اتجاهاته وغاياته ووسائل تحقيقها، وأنماطه السلوكية التي يتبعها لذلك.

فقيم الفرد هى البوصلة التي توجّهه في حياته، هى الثوابت التي يتحرك وفقاً لها وتمنحه القدرة على تحقيق هدفه الأسمى، وكان يُطلق عليها أفلاطون (الحق.الخير.الجمال) وكانت هذه هى فلسفته التي كانت تدور حول القيم التي تمثل المثل العليا، الحق في جانب العلم والمعرفة، والخير في جانب السلوك والأخلاق، والجمال في جانب الفن.

وقد اعتقد “أفلاطون” أنه لابد وأن يكون هناك مصدراً يستقي منه الناس هذه المعتقدات التي تجعلهم يتمسكون بالمثل العليا، وتبلور مقصد “أفلاطون” أن مصدر القيم الإنسانية خارج عن واقع وخبرات الشخص، لأن الخبرات المشتقة من عالمه الحسي متغيرة، ولابد وأن يكون مصدر القيم غير متغير ومطلق وأبدي.

ولكن القيم لا تنشأ من فراغ، ولا هى مجردة مطلقة، بل هى جزء لا يتجزأ من خبرة الإنسان الواقعية، فهى متغلغلة في سلوكه، وتنبع من نفسه ومن تفاعله مع بيئته المحيطة به.

وقد ذكر د.زكي نجيب محمود (العالم لا خير فيه ولا جمال، فليس بين أشيائه ما يُسمى خير وآخر يُسمى جمال، ففي العالم أشياء كثيرة، أشجار وأنهار وأحجار، وصنوف شتى من الحيوان، ويأتي الإنسان بنشأته واكتساب خبراته، يحب شيئاً ويكره آخر، فيكون ما يحبه خيراً أو جميلاً، وما يكرهه شراً أو قبيحاً، وإذا تغيرت ظروف حياته، وطريقة تكوينه العقلي ووجهة نظره، بفعل عوامل مؤثرة، فينتهي به الأمر إلى استهجان ماكان يستحسنه أول الأمر)

ولذلك فلا يمكن أن تكون قيم الفرد مستقلة عنه، فالفرد هو ما يحمل القيمة لما يرغبه، فالأشياء من حولنا حيادية، ولكن ما يمنحها القيمة والمعنى هو طريقة حكمنا عليها وما تمثله لنا، فالقيمة تنبع من الإهتمام والرغبة وليس العكس، فنحن نعتقد أن الأمر خير لأننا نسعى إليه، فالإهتمام والرغبة ينبعان من الشخص متجهاً نحو الأشياء.

ونتيجة لأن القيم هى منطقة إلتقاء الفلسفة بالعلوم الإجتماعية، فعلينا معرفة تصنيف علماء الإجتماع للقيم حسب المحتوى لها، وتعتبر هى الأساس للقيم الشخصية والتي ينبثق منها العديد من القيم الفرعية الأخرى.

فهناك القيم الدينية والروحية وهى الروح النقية للشخص، وعهده مع الله عزوجل، واتباع أوامره وإجتناب نواهيه، ويتفرع منها عدة قيم أخرى منها الإخلاص والأمانة والصدق والتي تشمل الصدق مع الله عزوجل والصدق مع الذات والصدق مع الناس، فالصدق قيمة سامية لاتدركه إلا العقول ذات الحكمة ” فالصدق عالماً لا يفهمه إلا الصادقون”

وقد قال عمر بن الله خطاب رضي الله عنه :”عليك في اخوان الصدق. عش في أكنافهم.فهم زينة في الرخاء. وعدة في البلاء”

وهناك القيم النظرية التي تُعبّر عن اهتمام الفرد بالعلم والمعرفة، والقيم الإجتماعية التي تميز اهتمامات الفرد الاجتماعية وعلاقاته بالآخرين، والقيم الإقتصادية واهتمامات الفرد العملية التي تمنحه الأولوية في تحقيق منافع مادية، والقيم الجمالية التي تشمل تذوق الشخص للإبداعات الفنية والجمالية، والقيم السياسية التي تمثل القوة والمنافسة والشهرة والنفوذ في مجالات الحياة المختلفة.

وما نود التركيز عليه هنا هو القيم الأخلاقية التي ينتهجها الشخص في سلوكه تجاه نفسه وتجاه غيره، وتعامله بأخلاق تعبر عن شخصه ودينه وفكره،  وقد تأرجحها مع التغيرات المتسارعة الإجتماعية في المجتمعات العربية، فموضوع القيم عامة والأخلاقية منها خاصة تحتاج للعديد من الدراسات، وذلك نظراً للتناقض المُلاحظ بين القيم النظرية والسلوك العملي في الواقع.

ونلاحظ الأثر البالغ الذي خلفته التحولات الاجتماعية في إحداث تغييرات متعددة أعادت صياغة أخلاقيات وتوجهات الإنسانية، ومست أهدافها وهويتها، فأصابت المجتمعات وخاصة العربية منها، بهزات عنيفة ومخاطر أحدثت انهيارات مجتمعية في مستويات معينة.

فعلى الرغم مما تنص عليه دساتير الدول وخاصة العربية منها على أهمية القيم الإنسانية، إلا أننا نجد أن معظم القيم مهملة ولا يتم تطبيقها في الواقع، وعلى سبيل المثال قيمة العمل، والوقت أوالأمانة والوفاء.وغير ذلك من القيم والتي اسُتبدلت بقيم سلبية كالفوضى والجهل وغير ذلك، ونحن في حاجة للتصحيح والتقويم الإرشاد الإجتماعي لتعديل مسارها عند معظم المجتمعات.

وقد قام بعض الباحثين العرب بدراسة بعض القيم في المجتمعات العربية، وخلصت نتائج تلك الدراسات إلى وجود العلاقة الارتباطية بين ضحالة القيم وبين التغيرات الإجتماعية والإقتصادية المتسارعة والمتعمقة داخل المجتمعات، والتي أثرت بشدة على تأرجح معظم القيم وعدم بلورة النظريات إلى سلوك يومي على المستوى الفردي والمجتمعي، واعتقد أنه من العوامل التي ساهمت في تأخر بعض المجتمعات العربية.

واعتقد أن عدم التكامل بين القيم الإنسانية الغائبة، والسلوك الإنساني المنعدم يرجع إلى عدم بناء القيم على أسس واضحة من الإقتناع العقلي الحر، ولكن قيم مفروضة ولذلك لا تتسم بالثبات والإستمرارية، ولا تساعد على تشكيل وجدان الأفراد، وأيضاً عدم ربط القيم للفرد بتفكيره واعتقاده وبعقيدته، فرابط القيم داخل الفرد ليس غريزياً فقط، بل يتعدى إلى الرابط الفكري.

ويمكننا إيجاد قيم سامية داخل الأفراد لم تتواجد داخله من قبل، إذا أوجدنا ما يهمهم ويلائمهم، لأنه مهما كانت الظروف والبيئة الواقعية متشابهة، ولكن طرق استجابة الأفراد وتأثرهم وأيضاً اهتماماتهم تختلف من فرد لآخر، فأينما يتوجه الاهتمام توجد القيم.

ولكي يتم تشكيل القيم الأخلاقية داخل الفرد، يجب تأسيسها على أسس عقلية وعاطفية، وترسيخ الاعتقادات التي تعتبر من أقوى العوامل المؤثرة لبناء القيم الشخصية في المجتمعات، فهى تصور الشخص عن نفسه وعن معنى الأشياء من حوله.

وارتباط القيم بسلوك الدين وأخلاقه الصحيحة، يساهم في شعور الأفراد بالإعتزاز وتقدير الذات، ونشأة القيم تلقائياً، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق” ومكارم الأخلاق هى القيم الإنسانية الراقية السامية، فالقيم هى تصور وجداني متأصل داخل النفس البشرية.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *