«الكنيسة المعلقة».. ساحة شهدت احتماء العذراء والمسيح يومًا

«الكنيسة المعلقة».. ساحة شهدت احتماء العذراء والمسيح يومًا
الكنيسة المعلقة
الكنيسة المعلقة
الكنيسة المعلقة

مُستغرقة في نوم هاديء فـمسائها عمه الفرح لإدراكها معاني عدة تتسم بالراحة النفسية، فحين يأتي ببالها إحدى الأماكن المُتسمة أركانه بالطابع الديني بالدرجة الأولى تهدأ النفس على غير عادتها المُتأججة، حتى جاء صوت رنين خاص مُعلنًا موعد إيقاظها، لم تستغرق دقائق معدودة حتى أعدت نفسها على أكمل وجه..

اصطحب مترو الأنفاق بزحام قاصدينه كعادته كل صباح، صمت لم تخرج صوت طوال طريقها حتى وقت القطار وأمامه حائل حديدي مسندة عليه إحدى اللافتات المُرصع عليها كلمة «مارجرجس» تلك المحطة التي تستقبلها بابتسامة خاطفة، فـ قلبها سوف يُعلن عن راحته هنا..

خرجت من تلك المحطة لتشهد أعينها «مجمع الأديان»، ذلك المنبع الهائل الذي يطل منه عبق خاص لايفهمه أحد، روعة المنظر الدائري الذي يتخذه «حصن نابليون» هناك لايوصف له مثيل.. مُشيد على عدة أعمدة مُقدرة بـأربعة، على ارتفاع عملاق غالبًا يُشبهونه ببناية من دور واحد.. تستشعر حين تنظر من أعلى لما هو أسفل بدوار بسيط تكاد ان أطلت النظر تسقط مُغشيًا عليك.

أتخذت من يمينها سبيلًا خاص، قاصده بنظراتها اللامعة إحدى الكنائس المُطلة عليها، وكأنها تناديها وهي الزاحفة بخطواتها المُسرعة إليها، وكأن المغناطيس مُتخذًا وضع الجاذبية وهي المجذوبة لروعة جمالها الراقي.. ها هي أمامها، تقف أمام باب أسود حديدي، هنا منذ أيام قليلة كانت الرموز السياسية مُصطحبة ذوات العباءات السوداء قاصدين شريطة حمراء ومقص منقوش محمولًا فوق طبق مُزرقش بالوردات الهادئة لونها.. رغبة في افتتاحها مُجددًا للعامة مثلها.

قدمت خطوة بقدمها اليمنى، قاصدة الدخول لثنايات المكان، رهبة خاصة اكتسحت جسدها، ضمن نظراتها المُتلفتة على أركان الجدران، حتى لمحت بأقصى يسارها وهي داخلة لمدخل خاص في أخره يرتكز سُلم ذات درجات مائلة للأبيض بصفرة، يتوسط المكان رقعة أشجار وخضرة ترتاح لها النفس.

أتخذت من السُلم ودرجاته سبيل للصعود، حتى أخذت من يمين السُلم طريق خاص أخذها معه لمدخل صغير الحجم، تُفترش جدرانه بالصور الخاصة بالقساوسة والباباوات على مدار التاريخ، ضمن الصور وُجد البابا كيرلس في تحية خاصة مع الراحل عبد الناصر، وما يليه السادات، كما وُجدت صور خاصة بـ لقاءات اصطحب فيها البابا شنودة الرئيس مبارك، ولقاءات أخرى بجوار البقية يجلس فيها البابا تواضروس مُصطحبًا الرئيسين عدلي منصور، والسيسي، ولم تشهد وجود صورة خاصة للرئيس المعزول مرسي.

تاركة تلك الصور بجمالها وبساطة تعبيراتها، لتنتقل إلى ساحة أخرى، حيث الهدوء وتلاقي الأرواح معًا، لفت انتباهها في بادئ الأمر تلك الهيكل الذي يتوسط الرقعة أمامها، المغطى وسطه بستار قُرمزي اللون، حين تُنظر للنقوش أعلاه تستدرك في الوهلة الأولى العذراء مريم وهي حاملة للرب يسوع الرضيع.

نقوش مًذهبة من مكانها عند باب الدخول تُرى عادة صُلبان جوار بعضها البعض، غير أنها حين تقدمت الخطى وجدت أعينها تستدرك الرسوم بهدوء تعبير رائع، نقوش إسلامية تتخلل الصلبان، تُرى ما هذه الوحدة بالرسوم المُجسدة لروعة التقاء الروح المصرية مسلمة كانت أو مسيحية..

هنا.. الوحدة تعني مصر، بداخل ساحاتها شهدت أعلى مقاعد الكنيسة الكثافة لصاحبات الحجاب، كن يجلسن في حلقة مُلتفة يستمعون لأحد المرشدين يقُص عليهن تاريخ المكان هذا المُرتكزة قدماها فوقه، تنتقل أعينها لأعلى قليلًا، ليأتي أمامها مباشرة صورًا عدة قيل أنهم الحواريون المُقدر عددهم نحو 12 حواري، وُحكى أن تلك الصور تُشير للقساوسة والرهبان أيضًا.

تنظر لأسفل قليلًا لترى بساطة التعابير تتجسد ضمن الأعمدة المقام عليها الكنيسة، أعمدة أُقيمت من الرخام الأبيض، المُحلى بالتيجان من أعلى، بنقوش ذهبية يرتكز، ثمانِ أعمدة يمينًا ومثيلها يسارًا، على اليسار يوجد أحدهم من البازلت الأسود، يُشير إليه الأقباط بأنه عمود «يهوذا» الخائن..

«يهوذا» يتصف بالخيانة لديهم نظرًا لكون الرب يسوع كان مُتسترًا بأحد الأماكن ويدعو لدين جديد، وكان يجب على الرومان قتله، لكن العقبة الوحيدة أن لا احد يعرف وجه عيسى، فقاموا بعرض مبلغ هائل لمن يدلهم على عيسى، حتى ضعف إيمان «يهوذا» ودلهم عليه، فيما يُعرف بـ«خميس العهد» المُلقب لدى الأقباط في عيدهم، وذلك لأن يهوذا لم يفي بعهده للرب يسوع، فتسبب في قتله وصلبه.

تلك الكنيسة خاصة مُحببة لقلوب الأقباط ولدى المصريين عامة، لكونها المكان الذي احتمت فيه العذراء مريم بابنها المسيح الطفل الرضيع، ومن ساعدها على الهروب من بيت لحم إلى مصر «يوسف النجار»، يقولون هناك أن النجار حين سمع أن «هيرودس» سمع بنبوءة ما أن يوم مولد المسيح ظهر نجم خاص حين يظهر يُشير بأنه مولد «نبي»، إذًا فمن سيكون النبي سيأخذ منه عرش الملك، فأمر بتجميع كافة الأطفال المولودون بهذا اليوم وذبحهم.. إلا أنه لم يتمكن من العذراء والمسيح لهروبهم على مصر.

هناك.. لفت الانتباه الصور الكبيرة للمسيح والعذراء، أسفل تلك الصور تأتي دور الشموع المُجهزة لتصطحبها يداك رغبة في إنارتها والتبارك بتلك الصورة أمامها، تُضاء شمعتك وتقف أمامها كي تدعو الرب بقلب يفعمه الخشوع، أملًا في الاستجابة، بل وأنت راحل من أمام شمعتك يترسخ بداخلك يقين خاص بأن ما دعوت به سيحققه لك الرب.

أنارت شمعتها وأخذت تتمعن الصورة أمامها وعيناها تُشير لدمع كثير بداخلها، رغبة مُلحة في الدعاء فـدعت بحرقة، اخذتها قدماها وهي سائرة بجوار المقاعد حتى دخلت بساحة أخرى يضم عدة هياكل يتوسطهم هيكل العذراء مريم، وعلى اليمين القديس يوحنا المعمدان، وعلى يسارهم يأتي هيكل القديس ماري جرجس.

ألقت نظرتها الخاصة بقلب بات يهدأ ما بداخلة من ثورة، فأدركت هي أن لتلك الأماكن سحر خاص يتسيد قلبها، ونفسها، وراحتها المُستشعرة لرقي ما بداخلها من أركان كل جانب فيها يُناديها بحرقة البقاء دون الذهاب.. في رجاء خاص كي لا تُنهي جولتها لكن الكنائس لا تسمح بالانتظار إلا في حالات الضرورة القسوى، فاضطرت الرحيل راغبة البقاء أن يطول قليلًا..

التعليقات