العلاقة مع الذات .. بقلم منى الناغي

العلاقة مع الذات .. بقلم منى الناغي
منى الناغي
منى الناغي
منى الناغي

 

لقد بدأنا رحلتنا مع الثقة بالنفس والأسس الخاصة بها، وأنها مفتاح لفهم الإنسانية كلها، فالشخص الواثق من نفسه إيجابي متواصل مع ذاته ومع الآخرين، يمتلك الشجاعة والإتزان النفسي والثبات الإنفعالي في المواقف، والتوجه العقلي الإيجابي الذي يشمل التفاؤل والحماس والإستمرارية، ويمتلك الذكاء والعلم والمعرفة وتطوير نفسه دائماً، فلديه الثقافة والخبرة والقدرة على التسامح والمحبة والعطاء.

والشخص فاقد الثقة بنفسه منفصل عن ذاته وعن الآخرين، مفهومه الذاتي سلبي، وفكرته عن نفسه مرفوضة وأحياناً تكون أسباب سوء العلاقات الأسرية أو الفقر أو الجهل، وسوف نتعرض لهم تفصيلياً.

وهذا بدوره يُسبب للفرد القلق والتوتر والخوف والعدوانية والفشل المستمر والشعور بالذنب تجاه نفسه، لأنه يشعر بعدم إنسجامه وتوافقه مع ذاته أو مع عالمه الخارجي.

وينشأ مفهوم الذات السلبي أو الذات الضعيفة مع نمو الطفل منذ سنوات عمره الأولى، وتراكم الظروف الحياتية السلبية حوله، مما يُولد لديه عدم الاستقرار أو الشعور بالأمان وإخفاقاته المستمرة، ونجد مثل هذا الشخص لديه الشعور بالنقص والغضب والإنتقام من العالم، لأنه دائم اللوم له في ما وصل إليه من حال، فهو يشعر بالدنو وعدم الإستحقاق في أنه يعيش حياة عادية كبقية البشر، لأنه دائم الشعور بعدم الكفاءة أو الأهمية، والإعتقاد الراسخ داخله بالفشل وتوقعاته سلبية للمستقبل.

 

ومن الأسباب التي تساهم في نقص ثقة الفرد بنفسه

أولاً: أسباب اجتماعية

وتشمل البرمجة الخاطئة للنشأة والتي تساهم بدرجة كبيرة في تشكيل المفاهيم والاعتقادات والمبادئ والقيم لدى الفرد، وما يُبنى عليها من تشكيل تصوراته عن نفسه ونسبة ثقته بنفسه، فهناك التنشئة التي تشمل العقاب النفسي أو البدني للطفل، أو التدليل الزائد المبالغ فيه، وهو إشباع كل الرغبات الخاصة بالطفل فورياً، سواء كانت رغبات مادية أو عاطفية، وبذلك يتولد داخله شعور الإعتمادية وعدم بذل الجهد أو الصبر للحصول على ما يريد.

وأحياناً نجد الخوف الزائد من الأبوين على ابنيهما، ويصل إلى حد الحماية له، وتأدية المهام بدلاً عنه، والتصرف نيابة عنه، وهذا يفقده اكتساب الخبرات وافتقاد حس المسؤولية، والإتكالية على والديه في أدق تفاصيل حياته.

ونجد بعض الآباء يفرضون السيطرة الكاملة على أبناءهم والتحكم في رغباتهم، وفرض العقوبات في حال عدم تنفيذ المهام التي يوكلونها إليهم، وفي احيان كثيرة تفوق هذه المهام قدرات الابن، فيشعر بالقهر والضعف والخوف، من نتائج عدم الإستجابة لما وكل إليه.

وفي بعض الأحيان تتعرض الأسرة إلى أزمات متتالية كحدوث حالات طلاق أو موت، وتمثل حالات التفكك الأسري والصراعات الأسرية عاملاً أساسياً في فقد الطفل للشعور بالأمان والإرتواء العاطفي داخله، لأن ذلك يساهد في بناء ذكاؤه العاطفي والإجتماعي وقدرته على فهم ذاته وتقدير نفسه ومشاعره.

 

ثانياً: أسباب نفسية

كالتعرض لإعتداءات جسدية.. جنسية.. نفسية، في سنوات عمره الأولى، مما ترسخ داخله اعتقادات التعميم لكل التجارب المستقبلية كالماضية، فنجد مثل هذا الشخص يلجأ إلى العزلة والوحدة إفتقاد الشعور بالأمان والخوف من مواجهة الحياة.

وأيضاً البرمجة السلبية للذات والنظرة الدونية لها، والتي تنتج من معاملة سيئة من الأهل والأصدقاء، أو الحديث الذاتي للشخص مع نفسه، ولصق صفات لنفسه سلبية وبتكرارها تصبح اعتقاداً راسخاً داخله، يتصرف من خلاله في أمور حياته.

ثالثاً: أسباب جسدية

وهى حالات قد ولدوا بها كقصر القامة أو أسباب جسدية في الشكل أو الجسد، أو عدم التناسق للجسد، أو إحدى الإعاقات، أو عادات سلبية كالتلعثم في الكلام أو التهتهة.

وكلها تترك أثاراً داخله وخاصة إذا تم توجيه التركيز لها من الأهل أو الأصدقاء في المدرسة أو في محيطه العائلي، مما يسبب الخجل والإنطواء على نفسه، ويبدأ في خلق عالم خاص به لا يشعر بمشاعر سلبية داخله.

 

ما هى الآثار المترتبة على فقد الثقة بالنفس؟

أولاً: آثار وجدانية سلبية

كمشاعر الخوف والخجل والإنطواء والعولة والشعور بالنقص والدونية للذات، والغضب والإنفعال المتكرر بدون أسباب مقنعة، وأحياناً الغرور والعدوانية والحساسية المفرطة للنقد أو تجاه المواقف المحرجة.

ثانياً: آثار ذهنية سلبية

وتشمل طرق التفكير والدراسة الأكاديمية والدراسية ونسبة فقد التركيز والتشتت المبالغ فيه، وتتملكه الأفكار والمشاعر السلبية عن نفسه لشعوره بضعف التقدير الذاتي وعدم القدرة على اتخاذ القرارات والحسم في الأمور وذلك خوفاً من المخاطرة أو الفشل.

ثالثاً: الآثار الجسدية

ونلاحظ الأشخاص فاقدو الثقة أنهم يتنفسون سريعاً وتزداد ضربات القلب لديهم، ورعشة في الأطراف مع برودتها، واحمرار الوجه في المواقف أو المقابلات مع آخرين.

رابعاً: الآثار السلوكية السلبية

لديهم ضعف في القدرة على التواصل مع أنفسهم أو مع الآخرين، فهم يفقدون القدرة عن التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم ويسعون لتلقي الرضا من الآخرين.

يتخذون مواقف دفاعية مسبقاً، لأن الخوف يملؤهم فيخشون المواجهات، فإما أن يلجئوا إلى الهروب أو العدوانية.

لا يستطيعون بناء علاقات إجتماعية جيدة، فنجد أن لديهم قلة من الأصدقاء الذين يتوافقون معهم فيما يشعرون به، أو يتميزون عنهم في شيئ ما فيشعرون بالقوة قليلاً.

دائموا الشعور أنهم ضحية للعالم من حولهم ويحملون الآخرين تبعات إخفاقاتهم وما آلوا إليه من فشل وعزلة، وذلك لشعورهم الداخلي بقلة الحيلة وضعف الإرادة.

 

كيفية التغلب على ضعف الثقة بالنفس

يجب تحديد السبب أولاً، والموقف الذي أدى إلى ضعف الثقة بالنفس، والأشخاص المساهمين في ذلك، ثم ترتيب المواقف والأسباب والأشخاص وفق درجة تأثيرهم عليه، وتحديد المشاعر الناتجة عن كلٍ منهم.

يبدأ بكتابة الأفكار المرتبطة بكل سبب وكل موقف وشخص، ومحاولة اكتشاف الأفكار اللامنطقية للأمر، مثل المبالغة أو التعميم أو التفسير السلبي للموقف، أو التوقع اللامنطقي للمستقبل، أو شعوره بعدم الإستحقاق.

وكتابة الفكرة البديلة فوراً لما تم كتابته سلبي، وكل ما يفكر به سلبياً أو يشعر به، يضع العكس له الإيجابي.

يكتب بحيادية جوانب شخصيته الإيجابية التي ذكرها الآخرون له، أو يراها في نفسه بمنطقية وصدق، وما قدراته التي يملكها ويستطيع التميز بها عن غيره، وما يملكه من مواهب يستطيع تنميتها والعمل على تميزها لديه.

يشاهد نفسه كأنما يراها أول مرة ويتقبل شكله وجسده وطريقة تفكيره، فبدء الطريق تقبل نفسك كما هى بدون أقنعة لترضي الآخرين، كي ترى نفسك من الداخل وليس تقديرها وفق آراء الآخرين عنك.

كتابة نقاط القوة وعلى الجانب الآخر نقاط الضعف، واذكر بجانبها سوف أعمل على تحسينها وأغيرها للأفضل.

لا تقارن نفسك بأحد، فأنت شخص مميز عن غيرك ولك سماتك الخاصة وصفاتك الجيدة داخلك، وكل ما عليك هو اكتشافها والسماح لها بالإنطلاق.

توقف فوراً عن الشعور بالذنب وتأنيب الضمير وجلد الذات، وأسمح لنفسك بالشعور لأول مرة أنك تستحق الحياة بشكل جيد وكما تريد، وأفضل مما تتصور.

ابدأ في التدرب على التعبير عن أفكار ومشاعرك وحقوقك ولو كتابة في بدء الأمر، حتى تكتسب الشجاعة داخلياً ثم تُعبّر عنها لفظياً.

ضع قائمة بما تريد تحقيقه في حياتك، واسأل نفسك هذه الأسئلة وحاول تدوين إجاباتها أمامك، من أنا؟ وماذا أريد؟ ولماذا أريده؟ وكيف أحققه؟ ومتى أريد تحقيقه؟ أين أنا الآن؟ وإلى أين أريد أن أذهب؟ وهل ذهابي إلى هناك سيحقق لي ما أريده بالفعل؟

وعندما تصل إلى إجابات صادقة من داخلك ، ابدأ في أخذ العهد على نفسك أنك سوف تسعى لتحقيقها وأنك ستكافأ نفسك كلما أنجزت حلماً من قائمتك الخاصة.

اهتم بنفسك وبمظهرك أن يكون لائقاً، فهو يساعد بشكل كبير على اكتساب الثقة بالنفس.

اعمل على تطوير ما دونته من مهارات ومواهب لأنه ذلك سيشعرك بالفخر والتميز والإعتزاز مما يساهم في زيادة الثقة بنفسك.

فصورتك الذاتية عن نفسك هى أساس حياتك، والتي تخبر الآخرين بطرق التعامل معك لا واعياً، فما تفكر به تجاه ذاتك، هو ما يراه الآخرون فيك ويعاملونك على أساس هذه القوانين التي وضعتها لنفسك

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *