العلاقة الناجحة مع الذات (1).. بقلم منى الناغي

العلاقة الناجحة مع الذات (1).. بقلم منى الناغي
Self-Confidence
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

 

لاشك أن معظمنا قد مر في مراحل حياته بأوقات عصيبة، وكم تمنى أن يغير كل ما حوله ليحيا الحياة التي يريدها ويشعر معها بالسعادة، كلٌ منا قد تمنى في وقت ما أن يكون أكثر نجاحاً ومالاً أو أكثر سعادة وثقة …. والعديد من الأمنيات التي لطالما تمنيناها كثيراً.

من أين سنبدأ الطريق كي يتاح لكلٍ منا الفرصة المناسبة للعيش حياة ناجحة وملوءة بالرضا والسعادة؟ وأن يحظى بالتقدير والحماس في كل مناحي حياته.

لقد خلقنا الله تعالى وكلٍ منا هو معجزة من خلق الله، بسماته الشخصية والعقلية والروحية والجسدية مختلف عن غيره من الخلق، فداخلك قدرات لا محدودة تميزك عن غيرك، وإن تأخر إدراكك لها بعض الوقت، ولكن هى داخلك، وتمتلكها بالفعل وما ينقصك هو اكتشافها ودعوتها للإنطلاق.

فما الذي يميز شخص ناجح عن غيره؟ نظرته تجاه نفسه، وتصوراته الداخلية التي تُشكل أفكاره ومشاعره وسلوكياته، هذه النظرة هى مفهومك الذاتي عن نفسك الذي يُمثل حوالي 80% تقريباً ، وما تمتلكه من معرفة ومهارة فقط 20% كي تُحقق ما تريده في حياتك.

فإذا كان منوال حياتك يسير في طريق يُشعرك بالقلق والغضب والإستياء، وتنتابك مشاعر الإحباط أحياناً، فلنبدأ معاً في تغيير سلوكك المُوجّه الذي نتج عن أفكارك ومشاعرك التي توحدت مع مثيرات سلبية ارتبطت بها، وعبّرت عن مفهومك لذاتك، والذي يُعتبر النواة التي تقوم عليها شخصيتك وإدراكك لقوتك العقلية والذاتية، ونحن تتشابه جميعاً كبشر في حاجاتنا للشعور أن لنا دور نقوم به ونلاقي عليه التقدير من الآخرين، وأن ما نفعله لهو ضمن معايير القيم الذاتية والأخلاقيات المجتمعية، ويُعبّرعن مستوى طموحاتنا في الحياة ، جميعُها تُعبّر عما يدور داخلنا وما يُشكله مفهومنا لذاتنا، وما تم اكتسابه من المجتمع، ليمنحنا التقدير والإحترام والإيجابية.

لقد خُلق الإنسان على الفطرة الصحيحة، وهى مشاركته لمن حوله، فعندما يُولد الطفل يخرج للحياة على المستوى البيولوجي، ولكن تعاملاته مع ذاته ومع الآخرين من حوله، هو ما يُنمي المستوى النفسي والإجتماعي لديه، فيبدأ في البحث عن نفسه داخل أسرته ثم أصدقاؤه، ثم يخرج للمجتمع ككل، يقول فنحن كائنات إجتماعية بطبعها تعيش داخل دائرة الأنا و نحن، وكلما توسعت دوائر الفرد زادت أهمية وجوده في الحياة.

ولتطوير العلاقة الناجحة مع الآخرين يجب أن تبدأ من داخل الفرد أولاً، أن يكون الفرد مهيئاً من داخله لإحداث التوافق والإنسجام مع نفسه كي يستطيع التوافق مع المجتمع من حوله، فالعلاقة مع الذات هى المحور الذ تنطلق منه كافة دوائر الشخص، وعلاقة الفرد مع ذاته تتوقف على

*شعوره بالقيمة والإستحقاق للحياة كإنسان يضيف إليها لا عبء عليها.

*شعوره بالأمان والطمأنينة التي تمكنه من الثبات الداخلي، أم يشعر بالخواء والفراغ.

*شعوره بالرضا والقناعة لحياته.

وهذه الأمور الثلاثة تتكون منذ سنوات الطفولة الأولى للفرد، فإما أن تُبنى جيداً أو تكن مهتزة، فما يتلقاه الطفل من رعاية واهتمام وحب من أسرته يساهم بشكل كبير في بناء هويته العاطفية وشعور الإنتماء لديه، فينمي لديه إحساسه بذاته وتقديره لها وذلك من خلال تبادل الإنفعالات المبكرة بين الأم وطفلها، وعوامل النشأة الأخرى من أن يحظى بالتقدير والإهتمام من أبويه واخوته وأصدقائه، وفي مراحل النمو لدى الطفل يسعى لتكوين هويته بمن يراهم حوله وتتراكم خبراته الشخصية المرتبطة بشخصه وبالبيئة المُحيطة به، فإذا كانت البيئة إيجابية وتحترم الذات الإنسانية، تساعد الفرد على اكتشاف مواهبه وقدراته ويرتفع تقديره الذاتي، وإذا كانت البيئة سلبية ومملوءة بالإحباطات، فإنها تساهم بشكل كبير في التركيز على نقاط الضعف للفرد وصفاته السلبية.

تعتبر الثقة بالنفس فضيلة من الفضائل البشرية، فهى نسيج من إدراك الذات وقبولها وتقديرها العميق، والذي يتشكل من احترام الذات القائم على إدراك وفهم السمات الإيجابية والسلبية داخل الفرد بنفسه، وقدرته على توظيف تلك السمات والقدرات في مواجهة مواقف الحياة المختلفة.

فعندما نثق في أنفسنا داخلياً نستطيع عبور الأوقات الصعبة التي تُشعِرنا أحياناً بالضعف والخوف أو القلق والإحباط، نحن لا نحتاج سوى التوجه داخلنا واكتشاف ما لدينا من قوة وقدرات.

ماذا تعني الثقة بأنفسنا؟

تعتبر الثقة بالنفس هى إحدى الدعائم والقيم الإنسانية التي تُشكل حياتنا، فكيف لنا فهمها؟

الثقة بالنفس هى الإيمان الداخلي بقيمتك أمام نفسك وفي أعين الآخرين، والثقة الكاملة في قدراتك وإمكاناتك، فأساس الثقة بالنفس من داخلك هى علاقتك الشخصية مع ربك ومع نفسك، فهل هى تتسم بالسلام والطمأنينة؟ أم مملوءة بالصراعات الداخلية والتوتر والقلق؟

هل تحب نفسك وتتقبلها كما هى فتحب الآخرين وتتقبلهم كما هم؟ أم تشعر بعدم الرضا عن نفسك؟

يقول الله تعالى :” وتوكل على الحي الذي لا يموت”

وقال تعالى ” ألا يعلمُ من خلقَ وهُو اللطيفُ الخبير” سورة المُلك آية 14

أي الإطمئنان القلبي الذي لا يُخالطه شك، بل يقين في الله تعالى وتوكل عليه والرضا بكل ما يأتينا به من أمور، لأنها الخير لنا، ولكننا لا نملك البصيرة لمعرفة الخير، يأتينا الله تعالى بما ينفعنا ولا يسبب لنا الضرر، وليس بالضرورة ما نطلبه، فتوكل على الله في كل الأمور وأستعن به، ولتقوي ثقتك بنفسك من ثقتك ويقينك بالله، لأنه خالقك وأعلم بما في نفسك، فالثقة بالله عزوجل هى الأساس لكل النجاحات في حياتك، وتوكلك عليه هو القوة الدافعة لتدعيمك داخلياً وزيادة قدراتك، فهى الثقة الحقة.

فدوائر علاقاتك كلها متفاعلة معاً وتكمل بعضها البعض، فدائرة علاقتك مع ربك هى التي تضفي المعنى على حياتك وتطهر علاقتك بنفسك، وتظهر نتائجها في معاملاتك مع الآخرين، وكلما زادت فاعلية وإيجابية دوائرك الشخصية أصبح لوجودك في الحياة المعنى والقيمة والرسالة والغاية.

يقول مصطفى صادق الرافعي ” إن لم تضف شيئاً على الحياة** فأنت إضافة على الحياة”

مفهومك لذاتك هو القوة الدافعة لضبط وتنظيم وتوجيه سلوكك، لأنه يُحدد الإستجابات الذاتية لك في مواقف الحياة المختلفة، ويُعطي التفسيرات لإستجابات الآخرين لك.

فالثقة بالنفس هى مفتاح التميز والكفاءة في الحياة، والطريق لبناء علاقات ناجحة، للشعور بالدفء والطمأنينة والود والمحبة، وتحقيق التوازن النفسي والعاطفي والذهني والروحي.

وتذكر أن تقديرك واحترامك لذاتك لا يُستمد من المال الذي تملكه أو نوع العمل الذي تقوم به، وإنما ينبع من داخلك وطريقة تفكيرك وتقديرك لنفسك وصورتك عنها ومشاعرك تجاه ذاتك.

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات