الشعرة الفارقة بين الصداقة الحقيقية .. وصداقة المنفعة .. بقلم منى الناغي

الشعرة الفارقة بين الصداقة الحقيقية .. وصداقة المنفعة .. بقلم منى الناغي
كلام_عن_الاصدقاء

 

الاصدقاء - صورة أرشيفية
الاصدقاء – صورة أرشيفية

 

هل لدينا صديق يتمسك بصداقتنا وقت المحن والشدائد؟ ولا يستطيع الإستغناء عنا لمحبته الخالصة لنا ولإهتمامنا به ولعطائنا له.

أم هل أصبحت صداقة المنفعة والمصالح تقف عائقاً في طريق بناء صداقات حقيقية؟

هل بناء الصداقات الحقيقية مسؤولية مشتركة بيننا؟

الصداقة.. تلك الكلمة الصغيرة ولكن معناها ومضمونها عظيم، فالصداقة هى العلاقة الإنسانية الراقية.. هى روعة التكامل بين البشر، المسؤولية المشتركة بين اثنين يبنيان علاقة متينة على أسس قوية من الصدق والثقة والعاطفة.

الصداقة الحقيقية هى الرابطة النفسية القوية بين شخصين، وتشمل كل معاني المحبة والتعاون والإخلاص والثقة المتبادلة بينهما، فهى الثمار التي تُجنى في كل وقت، هى الرباط الأقوى من رباط النسب والقرابة.

الصداقة هى الزهرة التي تنبت في القلب.. وتتفتح بالصدق

تشتق كلمة الصداقة من الصدق.. والصادق.. والصديق، فهى تعني الصدق الخالص الذي يَبعُد كل البُعد عن شوائب المنفعة والنفاق، العاطفة الخاوية من حكم المصالح وتبادل المنافع.

فالصداقة الحقيقية كالمدينة التي يسكُنها الأوفياء المخلصون.. ومفتاحُها الصدق والوفاء.

الصداقة تلك العلاقة الإجتماعية التي تقوم على المشاركة الوجدانية وتتجرد من كل المنافع المادية أو الشخصية، هى المشاركة في نمط الشخصية والميول والإهتمامات والأفكار، والسلوك، هى المشاركة وليست التطابق، فالصداقة مفهوم كمي وليس كيفي، فهى تُقاس بمدى مساندة الصديق لصديقه في أوقات الشدائد والمحن، في السراء والضراء، وليس بطول مدة الصداقة، هى العلاقة القائمة على أسس البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.

وقدَ أقر الدين الإسلامي بالصداقة كعلاقة إجتماعية لها قيمتها السامية الإيجابية، ومدى تأثيرها على الأفراد والمجتمعات، لبناء علاقات إنسانية قوية، فقد قال الله تعالى في كتابه المبين “الأخلاءُ يَومئذٍ بعضهم لبعض إلا المتقون” سورة الزخرف آية 67

 

فكيف نفرق بين الصديق الحقيقي، وصديق المنفعة أو الصديق العابر؟

نحن كبشر نحتاج من وقت لآخر إلى شخص مقرب إلينا، نتحدث معه دون حرج عن أدق التفاصيل في حياتنا، ونثق برأيه وبحكمه على الأمور، وندرك مدى صدقه في نصحنا وإرشادنا إذا احتجنا لذلك، ويُكن لنا المحبة الصافية دون شوائب.

الصديق الحقيقي هو القريب من نفسك، الذي تجدهُ جانبك في كل وقت مهما اختلفت وجهات النظر أو التوجهات، الذي يتمنى لك الخير كما يتمناه لنفسه، بل يُؤثِرُكَ على نفسهِ إذا استدعى الأمر ذلك، الصديق الذي يُحبكَ دونَ غرضٍ مادي أو معنوي سوى أنه يحبك لشخصك، يُدرك صفاتك، ويتفهم داخلك.

الصديق الحقيقي الذي يُعينكَ على العمل الصالح ودائم حسن الظن بك، مهما حدث من تباعد أو خلافات بينكما، الذي يشاركك أسرارك ويحفظها، ويقدم لك الدعم والمشورة عندما تحتاج إليها، فهو يساندك في حضورك وغيابك، ويذكرك بكل الخير.

وقد ذكر “محمد صادق الرافعي” أن منازل الصداقة منزلتان

(الصبر على الصديق حين يغلبه طبعه فيسيئ إليه، ثم صبرك على هذا الصبر حين تغالب طبعك لكيلا تسيئ إليه)

وتتميز الصداقة بثلاث خصائص وهى:

المشاركة في الميول والإهتمامات ، التأثير المتبادل لكل طرف على الآخر من مشاعر وسلوك، وقدرة كل طرف على استثارة الانفعالات القوية لدى الآخر.

فالصداقة هى مصدر للمشاعر الإيجابية والتغيرات الرائعة، فهى تُساعد على اكتساب وتطوير المهارات الشخصية والإجتماعية، وتخفف من مشاعر العزلة والوحدة، وتدّعم السلوك الإنساني الإيجابي.

وتساعد الصداقة في سن الطفولة على إرتقاء مهارات الأطفال الإجتماعية والقيم الأخلاقية لديهم، وتساعدهم على إدراكهم لواقعهم، وأيضاً تساعد في سن المراهقة على مشاركة الآخرين في الأفكار والمشاعر، وكيفية التعبير عن أنفسهم، وبناء علاقات مع الآخرين تتسم بالثقة والصدق.

وكما أن بناء علاقة الصداقة القوية عاملاً هاماً في بناء المجتمعات، فإفتقاد هذه العلاقة يُولد التوتر والقلق والنفسي ومشاعر الحزن والإحباط، وفقدان الأمل والعديد من المشلات النفسية والصحية.

جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إرشاداته لإختيار الصديق الأمين

(عليك بإخوان الصدق، تعش في أكنافهم فإنهم زينةٌ في الرخاء، وعُدةٌ في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئ ما يُريبُكَ فيه، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من يخشى الله تعالى، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك، واستشر في أمرك الذين يخشونَ الله تعالى)

فإذا كان لديك مثل هذا الشخص بتلك الصفات المميزة، فهو صديقك الصدوق، نعمة وهبة من الله تعالى عليك في هذه الحياة، تمسك به وحافظ عليه، وابذل الجهد لتوطيد العلاقة بينكما وزيادة صلابتها يوماً بعدَ يوم، فهو من يُشعِرُكَ بالدفء والإطمئنان والثقة والمساندة.

وصديق المصلحة الذي يعرفك لغرض ما، ويتقرب إليك لقضاء حاجة له، إن قضيت انتهت علاقته بك، وتوارى عنك وراح يروغ من أمامك وكأنه لا يعرفك ولم يقابلك يوماً، هذا هو الشخص الخبيث فالإبتعاد عنه مكسبٌ لك، لأنه يشينك ولا يزينك، فاحذر مصاحبة اللئيم فإنه يُعديك بخبثه ومراوغته.

وهناك الصداقة العابرة، الشخص الذي يتواجد معك في مكان ما لأداء أمر معين، كممارسة رياضة أو لعبة معينة أو مشاركة في عمل ما مؤقت.. هذا لا يُعتبر صديق بل صاحب مؤقت وزميل مهمة ما، لأنك لن تشركه في أمورك الشخصية أو مهامك الحياتية، وتكون العلاقة بينكما بحدود فلا نستطيع نسبها لمعنى الصداقة الحقة، وإن انتهى الأمر الذي جمع بينكما، خفت وطأة المعرفة وقل التواصل بينكما، إلا إذا شعرت تجاهه بمشاعر قرب معينة وصفات تجمعكما فقامت بينكما علاقة متدرجة تستطيعا تقويتها وزيادة متانتها بينكما.

ولكننا أحياناً وتحت وطأة الضغوط اليومية، نتعرض لخلافات بيننا وبين أصدقائنا، فهل العلاقة قوية لتصمد، أم تنهار سريعاً وكأنها لم تكن يوماً ما؟

هل نترك الأزمة تمر وتأخذ وقتها، ثم نتحاور لتخفيف حدة الخلاف؟ أم نتخذ قراراً بإنهاء العلاقة فوراً؟

عندما نتعرض لخلاف ما في عرض لوجهة نظر أو فكرة أو غضب من صديق لنا، ماذا نفعل كي تهدأ الأمور وتمر العاصفة بيننا وبينه، فنحن نتمسك به ونرغب في المحافظة على علاقة الصداقة بينا وبينه، فليكن هدفك مع صديقك هو نشر شعاع صداقتك به أينما ذهبت.

وتذكر أنه صديقك له مكانة في قلبك، وتأنس إليه وقت الوحشة والغربة والضيق، ويُأزرُكَ في أوقات شدتك، ويؤمن بك ويحترمك، ويساندك ويشجعك في كل وقت.

أم أن الأمر يحتاج لسؤال نفسك، هل هذا الصديق يستحق بذل الجهد والسعي من أجل الحفاظ عليه؟ حدد موقفك من مكانته داخل نفسك وقلبك.

إذا كان يستحق الأمر بذل الجهد للحفاظ عليه فاترك الأمر يهدأ قليلاً، ولا تحاول مواجهته في وقتها كي لا تزداد الأمور سوءاً، وانشغل بأمور أخرى، ثم ناقشه بمودة واحترام لشخصه ورأيه مهما اختلف معك، كن مُحدداً وواضحاً معه في عرض نقطة الخلاف بينكما، ولا تُحول الخلاف إلى أمر شخصي بينك وبينه، وسيطر على انفعالاتك وكن هادئاً قدر المستطاع، وتذكر أنه مجرد خلاف لا يستحق الغضب وفقد السيطرة على النفس.

ولا تحاول التحدث عنه في غيبته بالسوء لأحد، وإن كانوا أصدقاء مشتركين بينكما، لأن ذلك لن يُكسبكَ التعاطف منهم، بل ينتقص منك في أعينهم، وواجبك كصديقه ألا تُشّهر به أو تتحدث عنه بالسوء والغيبة المؤلمة.

الصديق هو الوطن الذي يسكن الوجدان، وهو الروح الشفافة التي نرى أنفسنا فيها.

الصداقة هى عمق القلوب، وزهرة تنبت داخله، وتتفتح بالصدق وتنمو بالحب الخالص.

فعلينا البدء بتهيئة الظروف المناسبة لإقامة علاقات صداقة قوية وصادقة، ونعمل على ضمان استمرارها… وذلك بالصدق مع الذات أولاً قبل الصدق مع الآخرين، وتفهم أبعاد النفس البشرية، لنكن مصدراً لإستيعاب القلوب.

 

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *