الجاسوس الوسيم.. «موشي زكي» تشاجر مع عضو «الكنيست» لجمع معلومات من الجبهة


44 عامًا مرت على يوم العبور العظيم للجيش المصري لقناة السويس، مستردا «سيناءه» من قبضة عدو جبان، وعلى طول الجبهة رسم الجيش المصري ملحمة لن يكررها التاريخ..

عبقرية العبور وقفت خلفها أجهزة وصلت الليل بالنهار للتخطيط لكل صغيرة وكبيرة، ولجأت أجهزة المخابرات المصرية لـ«المكر الاستخباراتي»، في سبيل تجهيز الجبهتين الداخلية والعسكرية للحرب دون أن يلفت ذلك انتباه العدو.. وفي سبيل إلقاء الضوء على تلك “الحيل” ننشر تلك الحلقات تباعا.

في ظهر السادس من أكتوبر، وفي أثناء عبور القوات المصرية لقناة السويس، انطلقت سيارة عسكرية مصرية، تعبر أحد الجسور المؤقتة التي أقامها سلاح المهندسين، وعلى متنها 3 من رجال المخابرات العامة، وظلوا يبحثون عن قافلة سيارات إسرائيلية، وبالفعل وجدوها ولكن مدمرة، ومليئة بجثث اليهود، وبدؤوا في فحص الجثث حتى توقفوا عند جثة بعينها، اغرورقت أعين ضباط المخابرات بالدموع بعد التأكد منها، وقاموا بلفها بعلم مصر بثيابه الإسرائيلية، إنه الجاسوس المصري الشهيد “عمرو طلبة” الذي يُرمز له بالعميل “1001”.

يقول الكاتب نبيل فاروق في كتابه الدرس، إن المخابرات المصرية أنشأت في الستينيات، قسما خاصا يحمل رمز “3ج1″، وهو قسم يختص بإعداد الجواسيس المصريين، للعيش والتعامل في قلب إسرائيل كأنهم ولدوا فيها؛ حيث يحظر على الطلبة بداخله التحدث بأي لغة غير العبرية، ويتعاملون بداخل الكافتيريا الخاصة بالقسم بالليرة الإسرائيلية، ويشاهدون الأفلام والبرامج الإسرائيلية، حتى اللافتات بداخل القسم مكتوبة باللغة العبرية.

كان عمرو طلبة، ابناً لأحد كبار ضباط الجيش، وأحد الشبان الذين تم تدريبهم في ذلك القسم، لتأهيله للتجسس بداخل إسرائيل، واجتاز “طلبة”، جميع اختباراته الخاصة بالقسم عام 1969، ولوسامته وابتسامته الساحرة، وقع عليه الاختيار للزج به داخل المجتمع الإسرائيلي، والعَيش بداخله كأحد مواطنيه.

وبعد أن وقع الاختيار على “طلبة”، كان على رجال المخابرات أن يختاروا له هوية يهودية حقيقية، للسفر بها إلى إسرائيل، وبالبحث في ملف الجالية اليهودية، وجدوا صورة لشاب يهودي يدعى موشي زكي رافع، وهو في سن الـ16 من عمره، الابن الأكبر لتاجر ملابس متجول يهودي يسكن حارة اليهود بالسكاكيني، وكان يتنقل مع والده يوميا، لبيع تجارتهم البخسة من الأقمشة الرديئة، مما دفعه للهرب من والده بعد أن فاض به الكيل من الفقر، ولم تمض شهور حتى توفي والده وحده في المنزل، أما “موسى” فسافر لطنطا للعمل هناك، وبعد عام أصيب بمرض صدري، وتوفي بداخل مستشفى الصدر بالعباسية.

وبعد أن حفظ “عمرو” تاريخ “موسى”، ونشأته، ذهب إلى حارة اليهود؛ حيث يسكن “موسى” قبل الهرب من والده، وبدأ في البحث عن والده المزعوم “زكي رافع”، وبعد أن علم بوفاته تظاهر بالحزن عليه، وتسلم مقتنياته، وشهادة ميلاده، ليحصل في مايو 1969، على جواز سفر باسم موسى زكي رافع، وسافر إلى “كوالالمبور”، وقضى شهرين عاطلا عن العمل، وتعرف على بحار يدعى “نصادوق”، الذي بدأ يغريه بالسفر لإسرائيل، وبعد إلحاح، وافق على الهجرة لإسرائيل.

وبالفعل سافر إلى “حيفا”، وسجل اسمه كمهاجر جديد في مكتب المهاجرين التابع للوكالة اليهودية، وبعد اجتيازه كل الإجراءات والاستجوابات الخاصة بالمهاجرين، ألحقوه بمدرسة لتعلم اللغة العبرية -التي كان يجيدها عن ظهر قلب- ليسافر بعدها إلى القدس، للبحث عن عمل، وتمكن من الحصول على وظيفة إدارية بداخل مستشفى “أثنيم”، ظل بها لشهرين، قبل أن يترك العمل بالمستشفى، ويسافر إلى تل أبيب.

وفي تل أبيب كان لوسامته الفضل الأكبر في عمله، بعد أن أُغرمت به ناشرة إسرائيلية، تدعى “شوشانا بيرسولتز”، ومنحته وظيفة كاتب حسابات في دار “أومانوت” للنشر، التي تمتلكها، حتى لمحته عضو الكنيست “سوناتا فيرد”، والتي وقعت في حبه أيضا، وبدأت تتردد على دار النشر لرؤيته، وأغرته بترك العمل بدار النشر، لكي يحيا بجانبها، وبالفعل ظل “عمرو طلبة” مع عضو الكنيست الإسرائيلي، إلى أن تم استدعاؤه لأداء الخدمة العسكرية الإجبارية بالجيش الإسرائيلي.

وهكذا حقق البطل المصري ما أراد، حيث سيتمكن من التعرف بشكل مقرب على ما يحدث داخل جيش العدو، وطلب من “سوناتا”، التوسط له لعدم إرساله للجبهة، ليعمل بوظيفة إدارية بداخل الجيش، وبالفعل استغلت عضو الكنيست الإسرائيلي علاقاتها وقامت بنقل تجنيده إلى إدارة الرقابة البريدية العسكرية، وأصبح من حقه أن يطلع رسميا، على كل ما يحويه البريد العسكري، من أسرار وأخبار، وبدأ العميل 1001، في إرسال الأخبار المهمة للمخابرات المصرية، بواسطة  جهاز لا سلكي غاية في التطور.

وفي منتصف 1972، طلبت منه المخابرات ضرورة الانتقال إلى الجبهة، فما كان منه إلا أن تشاجر مع حبيبته عضو الكنيست الإسرائيلي، وسبها بأبشع الألفاظ، ووصفها بأقبح الصفات، لتقوم بطرده من منزلها، وهددته بالانتقام منه، وبالفعل نقلته من تل أبيب، إلى مركز العمليات المقام في “أم مرجم”، على الجبهة مباشرةً، وعمل هناك كرقيب للبريد.

وواصل “طلبة” مهمته، وبدأ في إرسال أدق المعلومات التفصيلية عن جبهة القناة واستعدادات الجيش الإسرائيلي، ومواقع الأسلحة والذخيرة، حتى ظُهر السادس من أكتوبر، وصلت إليه رسالة بضرورة ترك موقعه، والتوجه إلى مبنى خشبي أعلى النقطة الطبية، وبعيدا عن غرفة العمليات بمئتي متر، ليكون بعيدا عن مرمى النيران المصرية.

إلا أن “عمرو” لم يستطع الانفصال عن وحدته، لتندلع الحرب وهو بالجانب الإسرائيلي، ليرسل برقية عاجلة في الساعة الرابعة من عصر السادس من أكتوبر، تفيد بأنه يتحرك مع قافلة عسكرية، مع جماعة البريد إلى الخطوط الأمامية، إلى أن تعرضت القافلة التي كان يستقلها للقصف، ويلقى حتفه محاطا بالجنود الإسرائيليين.



-اقراء الخبر من المصدر
الجاسوس الوسيم.. «موشي زكي» تشاجر مع عضو «الكنيست» لجمع معلومات من الجبهة