التحرش في القاهرة… من الليمونة إلى السلاح الأبيض

“بنت حيك”  

كانت الأحياء الشعبية (الفقيرة) في القاهرة، حتى أوائل السبعينيات من القرن الماضي، تتمتع بقيم راسخة، وكانت تلك القيم رغم إهدارها لحقوق المرأة، تحمي النساء من التحرش. وامتدت هذه الحماية منذ ارتداء المرأة “البرقع” و”الملاية اللف”، وحتى ظهور الميكروجيب، ودخوله إلى تلك المناطق على يد بعض الفتيات من الجيل الجديد المتحمس للحداثة.

أما المناطق الراقية، التي يعيش فيها أثرياء المجتمع، فهي كانت في الغالب مؤمنة، وتمر بها دوريات الشرطة التي تتحقق من هوية أي شخص يبدو غريبا على المنطقة، أو مظهره متواضعا، وتسأله عن سبب تواجده في تلك المنطقة.

ويؤكد معاصرون لتلك الحقبة أنه لم يكن أي شاب يجرؤ على معاكسة فتاة من حيه، لأن أبناء منطقته سوف يلومونه، ويتهمونه بأنه شخص “خسيس” يعاكس “بنت حيه” بدلاً من حمايتها من الأغراب، مثلما يحمي أخته. وكان أهل تلك المناطق الشعبية القديمة مثل السيدة زينب، والحسين، والحلمية، وغيرهم، يعرف بعضهم بعضا جيدا، ويتعاملون كأسرة كبيرة في أغلب الأوقات، ويحتقرون من يتعدى على “بنت حيه”، ويؤدبون الغرباء لو تجرؤوا على نسائهم.

ظهور الليمونة

مع بداية عصر الانفتاح الاقتصادي في مصر، وسفر الكثير من المصريين إلى دول الخليج ، حدث انتعاش، وتغير أسلوب الحياة، وتجلت ملامح الثراء والبذخ، وهو ما ساهم في انتشار رغبة الثراء السريع عند الكثير من المواطنين، وحدثت هجرات من المناطق الشعبية، إلى الأماكن الراقية. وفي ذات الوقت بدأت هجرات كثيفة من محافظات مصر إلى القاهرة.

ومع ازدحام العاصمة، وتغير نمط الحياة، وظهور المناطق العشوائية التي تنامت بسرعة كبيرة، لتلبي حاجة الوافدين الجدد إلى القاهرة للسكن، تكدست المواصلات العامة بصورة لافتة. حينها ظهر الآباء المؤسسون للتحرش بنسخته الوقحة التي نراها حاليا.

كان هؤلاء يتحينون الفرصة للوقوف خلف النساء في حافلات النقل العامة، لإشباع غرائزهم، ولأن المجتمع مازال فيه بقية من قيم المناطق الشعبية الأصيلة، واجه المتحرشون ردود فعل لا سابق لها، لينتهي بهم الحال إما بتلقي صفعات ولكمات من الركاب الغاضبين، أو يذهبون بهم إلى أقسام الشرطة.

ابتكر المتحرشون حيلة جديدة، كان يضع أحدهم ليمونة في جيبه الخلفي، ثم يقترب بهدوء من المرأة التي يستهدفها، ويبدأ في ملامستها بليمونته، فإذا استجابت، استدار لها، وإذا أبدت انزعاجها، أو صاحت فيه “أنت يا حيوان”، يرد عليها “ليه يا سيدتي الغلط، أنا مديك ظهري”، ثم يبتعد عنها، ويبحث عن اشباع رغباته البهيمية في مكان آخر.

مكافحة التحرش

تطور التحرش بمرور الوقت، وأصبح المتحرشون أكثر جرأة، ووصل بهم الحال إلى الهجوم علي الفتيات في الطرقات العامة، واعتراض طريقهن، وأحيانا الإمساك بأيديهن أو بأماكن حساسة في أجسادهن. وقبل أيام قليلة شوه متحرش وجه سمية عبيد (الشهيرة بفتاة المول)، بعد خروجه من محبسه في قضية تحرش بها وضربها أمام أحد المراكز التجارية بالقاهرة، وهي قضة هزت الرأي العام المصر.

وكانت ظاهرة التحرش بلغت ذروتها بعد تظاهرات 25 كانون الثاني 2011، حيث بدأت حوادث التحرش الجماعي، ووصلت إلى حد استخدام آلات حدة في الاعتداء على الفتيات والسيدات، وهو ما أدى لظهور مبادرات شبابية للتصدي لهذه الظاهرة الخطرة.

يقول حاتم شعبان، المنسق العام لمبادرة “أمسك متحرش” لـ”النهار”: “يبدو الاستبيان -الذي نشر مؤخرا- واقعيا، نحن منذ 2013 وحتى اليوم متواجدون في الشارع، وندرك حجم المشكلة. لكن في العامين الأخيرين حدث تحسن كبير. هناك دور ملحوظ للشرطة النسائية، بعد ظهورها في 2015 بالشوارع، انخفضت معدلات التحرش، في 2014 و2015 كانت المبادرة تضبط حوالي 900 حالة كل سنة، في 2016 انخفض العدد إلى حوالي 590 حالة”.

وتقول ندى عبدالله، مؤسسة مبادرة “خدي حقك بأيدك” لـ”النهار”: “تحظى القاهرة بأكبر النسب في العنف الجنسي ضد النساء، وهذا لأن الكثير منهن بالمحافظات يخشي التحدث، لو تحدثن، قد تختلف النسب”، مضيفة “لا يوجد حماية للمجني عليها، معلوماتها الشخصية متاحة للجاني والمحامي الخاص به، وهذه كارثة، وقد حدث لسمية، لا بد من توفير الحماية للنساء اللاتي أبلغن عن التحرش”.

وتشير ندى إلى أن “الموضوع دائرة كبيرة، هناك تكريس لصورة المرأة كدرجة ثانية، وأنها مجرة (حتة لحمة) مستباحة، هذه الصورة النمطية، لابد من محاربتها”. وطالبت بعقوبة رادعة مثل “غرامة، أو حبس، أو يتم إعدام المتحرش أو إخصاءه حتى يكون هناك رادع”.

وترى مؤسسة المبادرة التي تعلم الفتيات طرق للدفاع عن النفس أن “الكارثة الأساسية تكمن في التبريرات الاجتماعية، فالناس تهاجم الضحية، وتقول لها: أنت أزاي تلبسي كده، وأزاي تخرجي”.

وروت عن تجربة خاصة بها وتقول: “تعرضت لتحرش، ومسكت المتحرش وضربته في وجهه، واعتقد الناس أنه حرامي، فتعاوني معي، وأمسكوا به، وحين علموا بأنه متحرش، بدأوا يخلصونه من يدي، وهو أيضا يحاول الفرار، وقالوا لي حرام عليك أتركيه، سوف تضيعي مستقبله، وفي النهاية أفلت مني بمساعدتهم”.

وتقول أمل محمود، منسق “المؤتمر الدائم للمرأة العاملة” لـ”النهار”: إن “الاستبيانات قد تكون غير دقيقة، وخصوصا إذا اعتمدت على عينة عشوائية، التحرش موجود في القاهرة، ومناطق أخرى، داخل وخارج مصر، ولكن يمكن أن يكون ارتفاع المعدلات في القاهرة راجع إلى عدد السكان الكبير، ارتفاع نسبة الفتيات والشبان، وطبيعة الحياة فيها أيضا عامل آخر”.

ويرى علماء نفس واجتماع أن التربية والأسرة والتعليم وكذلك الإعلام والسينما لهم دور كبير في ما وصل إليه الحال . ويشير متخصصون في تلك المجالات   إلى انحدارها جميعا، مقارنة بما كان عليه الحال في فترة الخمسينات. وتكاد  غالبية الآراء تجمع على أن المجتمع يحمل المسؤولية والعبء الأكبر ، فهذا المجتمع هو الذي كان يعلم الشباب ألا “يعاكس بنت حتته”، وهو الذي بات يؤنب ضحية التحرش، ويلقي باللوم عليها، ويعمل على إفلات المتحرش من القانون أو حتى تأنيب الضمير.