«الأزهري» و«الطبيب».. ميدان شاهد ورصاصة قاتلة
الشيخ عماد عفت والطالب علاء عبد الهادي
الشيخ عماد عفت والطالب علاء عبد الهادي

صباح باكر كانا وسط الجموع المهتزة حناجرها في شفق لما آلم بمن قرروا البقاء هنا مُلتفين حول هالات نارية طلبًا للدفء الذي تحمله أبخرتها، قسم البعض نفسه ليقف في حماية المدينة الصغيرة المتكونة أسفل إشارة عمر مكرم، والمنتهى بطول شارع القصر العيني، كما صينية ميدان التحرير.

المشهد أمامهم كان كفيلًا بأن يُثبت القلوب والحناجر على مطلب واحد، في سكون طفيف سكن الليل والناس نيام، جاء استبشار حامله صوت هاديء قِبال مسجد عمر مكرم، كانت ابتهالات استقبال آذان الفجر بصوت منشد راقِ، صوت يهدأ له البال والخاطر، يُطيب القلوب يستشعر الثائر حاله الأمان والسكينة.

بعدها بدأ الشروق يهل في ساعاته الأولى، البعض لايزال متخذين وضع النوم، سحب بيضاء مُتداخلة تحد الرؤية على أبعاد معينة، في استشعار بأن شيء ما يدور حولهم غير مُدركين ما هو، بدأت الآذان تستمع لتحركات وأقدام أتية من أين لم يقدر أحد على تحديدها بدقة.

ثوانِ وهلعت القلوب حين فُتحت الأجفان على قنابل غازية مُلقاه أعلى الخيام المُثبتة قدمها بميدان التحرير، في ثبات طوال الليلة الماضية وقفت أبية رافضة الخضوع للرياح العاصفة المُتسمة بالبرودة القارسة.. بتحركات همجية إثر هلع جسده بالمقام الأول ذوي البيادات العسكري بمساندة من ذوي البدلات السوداء، كجيوش النمل المُتفشي أرضًا وكأنه صاعد للتو ليلتهم طعامه.

هما لايزالا على الجانب الآخر من الميدان، تسللا ضمن الأعداد التي وجدت طريقها إلى شارعي محمد محمود وطلعت حرب، والبعض الأخر أخذته قدماه إلى ميدان سيمون بوليفار ليستقر بمداخل العمارات القديمة هناك..

هدأت الأوضاع تارة خاصة بعدما قامت جيوش النمل تلك بهدم الخيام والإمساك ببعض من طالتهم أيديهم، مع استشعار نسمات الظهيرة، كانت الأنباء قد تداولت بين الشباب، ليتركوا عوالمهم الفيسبوكية القابعين بداخلها طوال يومهم، مُقتحمين الميدان بحناجر صائبة، هزت جيوش النمل ليتقهقر مُتخذ له رقعة مُتجمعًا حولها.

الصوت نفسه جاء مُجددًا مُعلنًا آذان الظهر، أتخذ عدة من الشباب موقعًا لهم بالقرب من المنشأة الحكومية القابعة بشارع طويل ركعته، مُثبت على جانبيه أعمدة حديدية خضراء، يُطلق عليه اسم شارع «القصر العيني»، أو «مجلس الوزراء».

بعد إقامة بصوت هاديء لطيف يأخذك معه للجنة وعبيرها الطاغي، بدأ يستهل الركعة الأولى، حتى فرغ من الظهر، طالبًا منهم الاستعداد لصلاة العصر أيضًا كصلاة جمع، كانت صلواته لها طابع خاص، هادئة حركاته، حاني صوته، طباعه تتصف بالحسنة، ثغره يبتسم هو ومن حوله رغمًا عنهم، ملائكة تلتف حولهم في موضع تكبير.

بالصف الأول خلفه، جاء شاب عشريني ملامحه تستشعر منها لُطف وصفاء، بوجهه تجد النقاء القابع بقلبه، ذهنه صافي الآن يبتسم هو الآخر، وكأنه يرى تلك الرصاصة التي ستصيبه هو بعد أن تأخذ في طريقها الشيخ ذو الصوت الهاديء.

وكأنهم يستحضرا حالة الرضا بعد اليقين.. وكأنهم يستودعا الثورة بين يد شبابها، من وقفوا بينهم يومًا، هتفت الحناجر وألتفت الأعلام حول الأعناق، يومًا كانت البداية واليوم كان نهايتهم بالميدان نفسه.. الشيخ عماد عفت.. وطالب الطب علاء عبد الهادي.