أنا والآخر .. بقلم منى الناغي

أنا والآخر .. بقلم منى الناغي
download

 

 

download

 

لماذا لدينا نظرة التضاد لمن يختلف عنا؟ وليس محاولة التقرب له؟ وهل ترتبط تلك النظرة السطحية بالشكل له أم بالجوهر؟ هل إختلافنا فارغاَ بلا مضمون، أم جوهر إختلافنا حقيقي؟

لماذا نضع حواجز فكرية ونفسية بيننا وبين الآخر، وكأنه من كوكب آخر غير كوكبنا الأرض؟

لقد خلقنا الله تعالى كبشر في هذه الحياة لصنع التقدم والتطور… لصنع الحياة، وأوصى الله الإنسان بالتسلط على كل ما هو مخلوق من أجله، وليس التسلط على أخيه الإنسان.

فلقد كرم الله تعالى الإنسان على سائر مخلوقاته بنعمة العقل، لنميز به الاختلافات فيما بيننا، فلم يخلق الله عزوجل شخصين متطابقين مع بعضهِما في كل شيئ، ولكن كلٌ منا مختلف عن الآخر، فالإختلاف سنة الله في خلقه، ولقد أقام الإسلام أسس العلاقة مع الآخر على مجموعة من القواعد ومنها الكرامة الإنسانية واحترام اللون والجنس والعرق واللغة والثقافة، لأن ذلك يُشكل قاعدة من قواعد السلوك الديني، والذي مبدأه احترام حرية اختيارات الآخرين.

فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم :”ولو شاءَ اللهُ لجعَلكُم أمةٌ واحدةٌ ولكنْ يضلُ من يشاءُ وَيهدِي من يشاء ولتُسألنَ عمَا كنتُم تعملوُن” النحل آية 93

فمن أهم التحديات التي تواجه مجتمعاتنا الآن، بل تواجه الإنسانية جمعاء، هو الإفتقار  لثقافة تقبل الآخر، بل ورفضه تماماً، ونبذه وإصدار الحكم لعدم أحقيته في الحياة، فنحن يسهُل علينا تقبل واحترام من نعرفه ويتشابه معنا ويتفق معنا في أفكارنا وتوجهاتنا وآرائنا، ولكن هل نتقبل ونحترم من يختلف معنا، أم نريد محاكمته وتوجيه النقد واللوم له، وإسقاط كل أخطاء الحياة على كاهله وحده.

أنا والآخر..فمن هو الآخر؟ هو كل ما ليس أنا.. هو المختلف معي في الجنس أو اللون أو الدين أو العرق أوالفكر أو الرأي أو التوجّه، أو غير ذلك من الاختلافات الأخرى.

أنا والآخر..تلك المعادلة الإجتماعية التي يجب أن يتوافق قطبيها، وتشمل الاحترام لما لدى الآخر من أفكار واعتقادات، ومحاولة فهم منظوره للأمور، كما يجب عليه احترام فكري واعتقادي وقناعتي ورأيي، وإلا حدث اهتزاز للمعادلة، وندخل في نفق الجهل المظلم وأحادية الفكر القاصرة على المحدودية، والإنغلاق النفسي لكل منا تجاه الآخر، وإصدار أحكام تنطلق من مفهومنا الشخصي المتبني نظرية أنا على حق دائماً، ولن أقبل أن يختلف معي أحد.

وقد قال الإمام الشافعي:” رأي صواب يحتمل الخطأ* ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”

نحن لم نعتد تقبل الآخرالمختلف عنا في جانب من جوانبنا سواء الفكرية أو الرأي أو غير ذلك من الإختلافات التي شرعها الله تعالى في البشر، ويرجع ذلك إلى أسس العملية التربوية والنشأة والمجتمع، والذين ساهموا بشكل كبير في خلق هذا التوجه، واستقينا منهم الرأي والتوجه الأوحد، وخاصة في الأمور الدينية، فمن نلاحظ إختلافه عنا في قناعاته أو توجهاته، نبدأ في نبذه بعنف وبقوة، ونزرع بذور العداء والنفور فيما بيننا، ونسعى إلى نفيه ومحوه مادياً من الوجود، وذلك بالضغط عليه أو تجاهله لإكراهه على التخلي عن قيمه ومبادئه وقناعاته التي يؤمن بها ويتحرك وفق ما تمليه عليه.

يرتبط تقبلي للآخر بتقبلي لذاتي بكل ما فيها من نقاط ضعف ومواطن قوة، فإذا تقبلت نفسي تماماً فلاشك أني سأتقبل الآخر دون قيد أو شرط، أي فهم واستيعاب اختلاف الآخر دون السعي لطمس معالمه أو تهميشه ولا تجاهله، ولكن احترام خصوصياته، والإيمان بحقه في التعبير عن رأيه وأفكاره، واحترام كيانه الإنساني.

ولا يعني تقبلي للآخر، الذوبان في أفكاره واعتقاداته، أو فقد انتمائي لذاتي، أو منحه القيمة على حساب نفسي، ولا يعني بأي حال من الأحوال اعتناق فكره أو توجهّه الذي يؤمن به، أو حتى التمادي معه في نفس الطريق، ولكن يعني التعايش معه وإدراك الإختلافات فيما بيني وبينه، وتقبل ما داخل عقله وقناعاته المتغلغلة داخل نفسه، ومحاولة إيجاد سُبل الحوار فيما بيننا وليس الصدام معه، أي الإيمان بحقه في الحياة والتعبير عن نفسه وما يعتقده، كما أنا أؤمن بحقي في الحياة كما أريد أن أكون.

فالقصد من التعايش هو أن اختلف واتفق معه، أن نتحاور ونتجاذب أو نتنافر معاً، ولكن الأصل في الأمر أن نبقى معاً على أرض مشتركة.. وأن يحافظ كلٌ منا على خصوصية وكيان الآخر الإنساني.

فالقبول المشترك بين شتى العلاقات الإنسانية، يعني حق كل طرف في اعتناق ما يؤمن به من أفكار أو اعتقادات، أن تبقى كل الأطراف على مسافة واحدة وعادلة، أن تسود أجواء من الحرية الفكرية والمعتقدات، والإيمان بحقيقة هذا الإختلاف ليحدث التوازن فيما بيننا، وليس من حق أي طرف أن يحاول صهر الآخر في اعتقاداته أوأفكاره وقناعاته، وعدم محاولة محوه من على الأرض لرفضه وعدم تقبله معنا في مكان مشترك، لأنه في حال حدوث عكس ذلك فعلينا إعادة تقييمنا لأنفسنا لأن هذا يعني أن مفهومنا محدود، وأن هناك نقصاً في درجة الوعي الفكري لدينا.

قال الله تعالى :” يا أيُها الناس* إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنُثى وجعلنَاكم شُعُوباً وقبائلَ لتعارفُوا* إنَّ أكرَمكُم عندَ الله اتقاكم* إن الله عليمٌ خبير” الحجرات آية 13

ومعني “تعارفوا” أي تبادلوا الأفكار والثقافات والآراء والمنافع، فعندما نسعى للتعارف والتواصل مع من يختلف عنا، مع احترام خصوصياته الشخصية، تتكون لدينا المعرفة، وتزداد الخبرات المتبادلة والتجارب فيما بيننا.

وعندما نؤمن بحق المختلف عنا بالتعبير عن رأيه ونفسه وفكره واعتقاده بكل حرية دون الرهبة من نفيه أو نبذه أو التعرض لضغوط مادية أو نفسية، نكون بدأنا طريق الوعي للحقيقة الإنسانية التي تفوق التقبل العقلي والعاطفي، وإنما تشمل التعاطف والرحمة والتقبل الروحي لما يعنيه الآخرلأنه إنسان من خلق الله تعالى مثلي تماماً، وأنه لا يمثل تهديداً لي بل مكملاً لوجودي في الحياة.

عندما نرفع شعار الإنسانية وحق الحياة لكل البشر، نكن على أول الطريق لبناء مجتمعات راقية تقدِّر الإنسانية وتحترمها وتصونها وتساهم في الحفاظ على كرامتها وهويتها وإنسانيتها، وبذلك نتحمل مسؤولياتنا كاملة وتزداد قناعاتنا بالتنوع والتعددية ليتأسس المجتمع على دعائم قوية ومتينة تحمل معاني الإنسانية الحقة، هذه هى العقلية المتفتحة المستعدة لقبول أفكار وقناعات وآراء الآخرين.

 

التعليقات