«أمنية مجدي» تكتب: أُمنية عمر

«أمنية مجدي» تكتب: أُمنية عمر
10951495_10155172499880192_65932815_n
أمنية وعمر إبان عقد قرانهم
أمنية وعمر إبان عقد قرانهم

أُمنية عمر كُنت، ومازالت أُمنية عمر.. وهو كان ومازال بداية وأول أمنيتي..

أتذكر أول لقاء لنا، صدفة جمعتنا في رمسيس عند محل عصير القصب، لحظة تحدث فيها إليّ، وقعت في غرامه، وبعد هذا اللقاء بخمس سنوات- أخيرًا- استطعنا أن نُقنع عائلتينا بالخِطبة، وبعدها بسنة كُتِب الكتاب، وكان وقتها يفصلنا عن زفافنا أشهر معدودة.

أشهر معدودة ونحقق حلمنا بأن نجتمع في بيت واحد. ولكن شاء القدر غير ذلك؛ ففي أول مهمة لعمر كمصور صحفي، ذهب لمكان الحدث ولم يعد، يتصل بي أحد زملاؤه ويخبرني أنه تم القبض على عمر وكل من كان معه في هذا الحدث، الذي كان احتفالًا بسبوع مولودة «دهب».

وأتذكر جيًدا أنني سقطت في الأرض باكية غير مصدقة ولا مدركة ما يقال، متسائلة: يعني أيه عمر اتقبض عليه؟، وأقسم أني لم أفهم ما أمر به وأجزم أنه هو الآخر لم يستوعب هذه الواقعة حتى نهايتها، أتساءل عن سبب القبض فيجيبوني: «عادي»!!

ولم أفهم تلك الإجابة ولن أفهمها، فأنا أعتقد وأؤمن أن كل شيء يحدث لسبب وليس لأنه «عادي»!!

تسعة عشر يومًا يمروا بين المحكمة والنيابة، أدخل أماكن لم أتخيل أن أدخلها، وأجوب أروقة مظلمة أرى فيها عُمَري مُكبلًا بالأصفاد، بيني وبينه أمتار ممنوع اجتيازها، ممنوعة من الاقتراب منه أو التحدث إليه، ومع أول فرصة أُتيحت لنا لنتحدث، حكى لي عن الضرب والإهانة الذي تعرض لها ولا أفهم لماذا، وكل هذا لأنه يصور «سبوع طفلة».

وأخيرًا يخلى سبيل عمر، وأتذكر جيدًا ما عانيناه من ذُل وإهانة لكي يخرج لنا عمر في نفس يوم دفع الكفالة، وأذكرني جيدًا وأنا أجري نحوه بلهفة عندما وقع نظري عليه لدرجة سقوطي على وجهي، واحتضنته بشدة وكنت أشدد عليه بيدي وكأني أتأكد أنه فعلا بين ذراعيّ.

نحاول أن نعود لحياتنا الطبيعية ونستعد لزفافنا مرة أخرى, وعمر يحاول أن يتعافى من ما مر به من أحداث؛ وفي هذه الفترة نتفق على مكان الزفاف وتعترض العائلتان على مكان الفرح «عاوزين نعمله على شط البحر في العين السخنة».

ولكن أخيرًا وافقوا واتفقنا أن نذهب يوم غد للقاء مخطط الحفلات, ولكني لم أستيقظ على صوت عمر واستيقظت على صوت القدر للمرة الثانية في أقل من شهر، يقبض عليه مرة أخرى ولكن من منزله, وهذه المرة لم يكن وحده، فمعه إبراهيم، أخوه الأوسط، وكعادتي لم أفهم «يعني أيه حد يدخل بيتك وياخدك من وسط أهلك ومتعرفش مين دول أو ليه!!».

لم نعرف لهم مكان طوال اليوم، محاولات للاتصال بمعارف- واصلين- ولكن دون فائدة ترتجى، وفي اليوم التالي يقول القدر كلمته للمرة الثالثة وأعرف أنهم لم يكتفوا بعمر وإبراهيم، وكأن شق عليهم يتركوا الابن الثالث، وأخذوا أنس الأخ الأصغر، وتركوا لنا أسئلة كثيرة تدور في أذهاننا، ولكن ليس هناك أي إجابة.

وفي نفس اليوم- عصرًا-، عرفنا أنهم في قسم ميت غمر وسوف يتم عرضهم على النيابة بتهمة حرق سيارتين، إحداهما لرجل مسن والأخرى لمحامي مشهور في ميت غمر، وقالوا لنا أن هناك «شريط فيديو» يثبت من قام بهذا العمل وحمدنا ربنا أنهم من المؤكد سوف يخرجون, فعمر وابراهيم كانوا في القاهرة وقت هذا الحادث، و أنس طفل 16 سنة ولن تصدر منه مثل تلك الأفعال, ولكنهم يكذبون ويخادعون ويراوغون ولم يكن هناك ثمة دليل ضد الأشقاء الثلاثة أو حتى رابعهم عبد المنعم «صديق أنس»؛ ومع ذلك تم حبسهم احتياطيًا.

وأتذكر صوت عمر يحدثني هاتفيًا وهو يقول «بهدلونا يا أمنية بهدلونا»، وأسمع دموعه, ويعتصر القلب ولا أعرف ماذا أفعل, ولم يبح لي بما حدث لهم ولكن كنت على موعد مع كشف المستور وعرفت ما حدث لهم.
أتذكر هذه اللحظة كأنني أراها أمامي؛ قررت أن أكل أخيرًا بعد يومين من خبر القبض على عمر وأخويه، وفي هذه اللحظة تحديدًا تحدثني والدته وتخبرني بما رأت على أولادها الثلاثة، فعمر يعرج وقدمه مضرجة بالدماء.

قالت لي أنهم خلعوا له أظافر أصابع رجله، وهناك آثار للضرب على إبراهيم، أما أنس فهناك علامة زرقاء على عينه وعلمت أنها آثار الكهرباء، لكم أن تتخيلوا أن أسمع هذا وأنا أضع أول ملعقة طعام في فمي من يومين.

لم أطق الطعام ولم أطق النظر إليه، فلا أستطيع أن أتخيل ولو للحظة من الزمن معنى أن يخلع أظافر أحدهم لكي أستوعب أنه حدث لعمر، فيا ويلي!! بماذا تشعر عُمَري؟؟ حقًا بماذا يشعر؟؟ لا إجابة، ولا نوم، ولا طعام يُساغ، ولا شراب يروي.

وعندما رأيته أول مرة في جلسة التجديد كان حبيبي يعرج، لم كل هذا؟!! هل من مجيب؟!! وبالطبع قدمت جميع الأوراق التي تثبت عدم وجود عمر في ميت غمر بأكثر من أسبوع قبل ليلة القبض، ولكن قدرنا كان التجديد، حتى قدمنا ثاني استئناف؛ اعتراضًا على الحبس الاحتياطي، وبالفعل أمرت المحكمة بإخلاء سبيلهم في أغسطس الماضي بكفالة مالية، ودفعنا الكفالة، لكن هناك من كان له رأي آخر.. فتستأنف النيابة على استئنافنا!! وهو خطأ قانوني فادح، وكان الخطأ الأكثر فداحة أن يقبل القاضي استئناف النيابة ويستمر حبسهم، وبعدها يُخلى سبيلهم للمرة الثانية وتستأنف النيابة ويستمر حبسهم وللمرة الثالثة يُخلى سبيلهم وأيضًا تستأنف النيابة، ولكن الله يشاء تأييد إخلاء السبيل.

وأخيرًا نذهب لدفع الكفالة ويرفض من قبض وعذب أن يأخذ الكفالة منا وقال لنا «الورق ناقص ختم» حاولنا أن نتفاءل خيرًا؛ لكن وجهه كان لا يوح بأي خير على الإطلاق!!

وفي نفس اليوم ليلًا نعرف عن طريق أحد المحامين أنهم لن يأخذوا الكفالة وأنهم سيخرجون لهم نماذج حبس وعمل محضر تعجيز، أي أننا نعجز ماديًا عن دفع الكفالة، ويذهب والده للمأمور ويرفض المأمور استلام الكفالة أو حتى عمل محضر، وترفض النيابة أن تأخذ الكفالة والحجة كانت «ولادك إخوان وإرهابيين ومش هيخرجوا»، وضربوا عرض الحائط بقرار المحكمة.

وفي يوم السبت يذهب والدهم قبل مجيء المأمور أو رئيس المباحث ويدفع الكفالة وينهي جميع الأوراق ولا ينقص سوي خروجهم.. ويأتي رئيس المباحث ويرى الوالد ويعرف أن الكفالة دفعت ويشتاط غضبًا ويقول: «نخرجهم وقت ما احنا عاوزين نخرجهم»، ويعود الوالد إلى المنزل منتظرًا الفرج، ثم يذهب إليهم ليلًا ويرجع بدونهم مرة أخرى، ويجد في أشيائهم ورقة كتبها عمر مفادها أنهم سوف يأخذوهم لمكان ما، غالبًا أمن الدولة وسوف يقولون لنا لا نعرف مكانهم.

وموعدنا مع القدر في اليوم التالي؛ اختفى عمر وأخوته وعبد المنعم من القسم وقالوا لنا «أخلينا سبيلهم، منعرفش هما فين»، وبعد جدال عقيم قالوا: «يمكن الأمن الوطني أخدهم»، لماذا يأخذوهم للأمن الوطني، ويمر اليوم تلو الآخر ولا أثر أو خبر، أذكر أنني كنت أجلس بجانب النافذة فجرًا أنظر إلى السماء وأبكي كثيرًا ولم أستطع حتى أن أدعو الله فقد كان الألم أقوى والبكاء يغلبني كلما فكرت أن أدعوه.

وفي اليوم الخامس تقريبًا تتصل سيدة وتخبر والد عمر بأنهم في قسم السنبلاوين، وبالفعل ذهب ولكن لم يجرؤا أحد على الدخول أو السؤال، وفي اليوم السابع تقريبًا ذهبت إلى أستاذ جورج إسحاق في مقر عمله وأخبرته بما حدث ووعدني بأنه سيساعدني، وفعل.. ففي اليوم التالي اتصل بي وقال: «اطمني هما بيحققوا معاهم وبيعملوا شوية تحريات عنهم وهيخرجوهم خلال يومين».

ارتاح قلبي ولكن لم يطمئن، وهنا يأتي القدر ويخبرني أنه لم يأتي الفرج بعد، بل اعتصري بالألم أكثر وأكثر، فعمر وأخويه يعرضون على نيابة السنبلاوين بتهمة التظاهر، وأتصل بأستاذ جورج ويؤكد «هيخرجوا متقلقيش اطمني».

ذهبت إلى النائب العام لأقدم بلاغًا بما يحدث لعل أحدهم ينقذنا مما نحن فيه، ولكن هيهات، ويصدر قرار بحبسهم احتياطيًا 15 يوم، وأسقط أنا في أروقة دار القضاء باكية محدثة دكتورة أهداف سويف وتشد من أزري وتطلب مني أن أتوقف فورًا عن البكاء، وأحبس أنا دموعي وأحاول أن أدخل للمرة الثانية لمكتب النائب العام وأقدم نفس البلاغ عسى أن يشعر أحدًا أن هناك خطب ما، ولكن, على عكس ما تمنيت, سمعت رد آخر «أنتي مش جيتي قدمتي ده الصبح؟ أنتي كدة ممكن تضري نفسك، ده كدة مش كويس عشانك».

وأخرج من المكتب مسرعة لأنني لن أستطيع أن أحبس دموعي أكثر وأطلب من والدي أن يعيدني فورًا إلى المنزل، وأتصل بأستاذ جورج وأنقل له الأخبار حبس 15 يوم، فيقول لي «أزاي الكلام ده، أنا مش عارف أقولك أيه يا بنتي، أنا مش عارف أعملك حاجة، سامحيني»، وهنا انقطع الأمل تمامًا، فليس لي أحد يساعدني، إن كان هو لا يستطيع فمن يستطيع، صحيح أنه ساعدني فيما بعد فيما يخص الزيارة وفي حماية عائلة عمر من تهديد رئيس المباحث، ولكني دائما أشعر أنه بالتأكيد كان في مقدوره فعل أي شيء, والحقيقة أنه ليس أكيدًا.

وتستمر سلسلة التجديدات أربعة أشهر تقريبًا، و تم ترحيلهم لسجن جمصة العمومي لمدة أسبوع أو عشرة أيام لا أذكر كم يوما بالتحديد، ولكن أهم ما أذكره هو رحمة ربي بعمر وبي في هذه الأيام.. ذهب عمر هناك لحكمة لم نعلمها.

إلا فيما بعد.. بدأ إصبع قدمه الذي خلع أظفره يؤلمه ويتورم لأن أظفره الجديد بدأ في النمو، ولم يكن في قسم السنبلاوين من علاج أو طبيب وهو يحتاج إلى عملية بسيطة لكنها ضرورية لأنه بدأ يشعر بصعوبة في الحركة، وذهب سجن جمصة وهناك كان الطبيب والعملية والعلاج ولولا رحمة ربي به لظل يعاني من آلام قدمه، في سجن جمصة زرت عمر وجلست معه ساعة بأكملها وأخيرًا تحدثنا، وأخيرًا- قعدنا نحب في بعض- و أخيرًا اختبأت من الواقع بين ذراعيه، وعادوا من جمصة وأكملوا جلسات التجديد.

ويأتي الشؤم يطرق أبوابنا مرة أخرى ويؤخذ إبراهيم إلى قسم ميت غمر.. لماذا؟ «أكيد قضية جديدة», قضية كانت مؤيدة ضد مجهول ولكن التحريات جاءت مؤخرًا أن إبراهيم هو المتهم، القضية«زراعة عبوة ناسفة تحت منزل أحد المستشاريين»، ومثلما كانت التحريات تؤكد أن إبراهيم من فعل ذلك، أكدت أيضًا أن العبوة كانت فارغة ولا تحتوي على مواد متفجرة ولم يحدث أي شيء من الأساس، وأصبحت التهمة التظاهر للمرة الثانية والانتماء لجماعة إرهابية.

وبعد التحقيق يصدر أمرًا بحبسه احتياطيًا 15 يوم من المحامي العام، وهو أصلًا محبوس على ذمة قضية أخرى وأيضًا بنفس التهم، وعودة إلى قسم السنبلاوين والتجديد، ولكننا فوجئنا في أحد الأيام أن هناك جلسة محاكمة في قضية التظاهر بل وأجلت أسبوع، وجلسة تلو الأخرى وحتى الآن لم يترافع المحامون وينتظرون بعض الأوراق.

واليوم قرر القدر أن يهديني صدمة أخرى، نطق بالحكم بالمؤبد في قضية حرق السيارتين، لكم أن تتخيلوا وقع هذا الخبر، لا لم أبكي لم أهتز لم أسقط ولكني ضحكت، فوقع 25 سنة غريب عجيب ولا أشعر سوى أنها نكتة أو أنها التطور الطبيعي للحاجة الساقعة.

أعترف أنني داخليًا فقدت الكثير والكثير مني وصدقًا لا أعرف النهاية، أو أنني أعرفها، ولكن متى تحن، اشتقت لعمر كثيرًا واشتقت إلى أن أختبئ بين ذراعيه، وأن أشعر بالأمان، اشتقت لمشاركته كل شيء، وكل فعل وكل حدث، وكل فرحة و كل إحساس، وانتظر يومًا ما، أرتدي فيه ثوبي الأبيض، وأُزفَ إليه.. إلى عُمَري.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *